​جيش يخاف امرأة

خالد معالي
الأربعاء ٢٥ ٠٧ / ٢٠١٨

منظر يقطّع القلوب ويوجعها حتى لأشد القلوب قساوة، صور اعتقال امرأة فلسطينية لمجرد أنها تكتب ما يجول في خاطرها، وتنتزع من بين أطفالها الصغار وتودعهم بالدموع أمام الكاميرات، مع ساعات الفجر الأولى في عز النوم والراحة، إنها الكاتبة الفلسطينية لمى خاطر.

لو أن امرأة إسرائيلية اعتقلت لتعبيرها عن حرية رأيها، لثارت دولة الاحتلال، ولجابت صورها دول العالم كافة، ولصار الحديث عن همجية وبربرية العرب والفلسطينيين حديث الساعة في جميع وسائل الإعلام في مختلف دول العالم.

قد يظن المرء أن خبر اعتقال امرأة وكاتبة صحفية لا يتم إلا في بلاد العرب، حيث الدكتاتورية والاستبداد والتعذيب حتى الموت؛ هو خبر عادي في هذه البلاد، لكن أن يتم في كيان مصطنع أقيم بقوة السلاح والإرهاب وبزعم أنه واحة الديمقراطية وحقوق الإنسان وسط غابة من الوحوش العرب؛ فهنا تتجلى وتنكشف حقيقة هذا الكيان بكل تجلياتها دون رتوش، ليكون إما أنه تعلم من أنظمة العرب الوحشية، أو يكون سبقها بسنين ضوئية منذ زمن.

في كل محفل دولي يسارع "نتنياهو" للقول والتصريح بأن جيشه الأكثر أخلاقية في العالم، وأنه يلتزم بحقوق الإنسان، وأن كيانه تجري فيه انتخابات ديمقراطية بسلاسة ورتابة في الوقت الذي فيه 22 دولة عربية لا تجري فيها هذه الانتخابات بحرية وشفافية كما تجري في كيانه، وأن حقوق الإنسان لها الأولوية في كيانه، كذبا وزورا وبهتانا.

أظهرت صورة خلال اعتقال الكاتبة لمى خاطر، من داخل بيتها احتضانها لولدها الصغير "يحيى" قبل اقتيادها من مجموعة كبيرة من جنود الاحتلال المدجّجين بالسلاح، إلى مكان مجهول للتحقيق والذي قد يصاحبه عادة التعذيب والشبح والضرب.

كل يوم تقريبا توجد حملة اعتقالات في مختلف مخيمات وقرى ومدن الضفة الغربية، حيث قتل الاحتلال بدم بارد يوم الاثنين 23\7\2018 الطفل أركان (15 عاما) من مخيم الدهيشة، خلال حملة اعتقالات في المخيم، فلا الأطفال ولا النساء ولا الرجال ولا الشيوخ يسلمون من قتل واعتقال وبطش الاحتلال.

يريد الاحتلال أن يوصل رسالة لكل كاتب صحفي أو حتى صحفي عادي، أن مصيره الاعتقال إن كتب ما يجول بخاطره أو كتب عن جرائم الاحتلال، يريد أن يسكت القلم الفلسطيني ويمنع الضحية من كشف إجرام ظالمها.

كل جريمة الأسيرة لمى خاطر أنها محللة سياسية وإعلامية وكاتبة في مجالي الأدب والسياسة في عدد من الصحف ومواقع الإنترنت، وهي من مواليد مدينة رام الله، وتشتهر بكتاباتها المؤيدة للمقاومة الفلسطينية.

ما تكتبه لمى خاطر هو ما يراه كل فلسطيني كل يوم من جرائم الاحتلال، إلا أن الاحتلال لا يروق له أن يكتب الفلسطيني ما يراه ويشاهده لتبقى جرائمه طي الكتمان، خشية فضحه أمام العالم أجمع.

كنت قد اعتقلت شخصيًا عدة مرات لدى الاحتلال، كان آخرها لمجرد الكتابة على الـ"فيسبوك"، وهو ما رسخ لدي فكرة قرب زوال دولة الاحتلال رغم قوتها الظاهرة، فمن يخشى من صحفي وكتاباته وكاتبة صحفية عمره قصير.

في كل الأحوال من خسر بعملية الاعتقال هو الاحتلال، فاعتقال صحفيين أو كتاب ومحللين سياسيين يخالف القانون الدولي الإنساني وما تعارفت عليه البشرية من حرية رأي وتعبير، وهذا إن دل فإنما يدل على أن دولة الاحتلال مأزومة، وبات يخنقها كتابة مقال صحفي عن ممارساتها في الضفة الغربية.