​يفتخر بها صاحبُها من ذوي الإعاقة محمد الصوالحي

كشك الروايات القديم .. ذكرى من مخيّم الشاطئ

غزة / مخيم الشاطيء - حنان مطير

يجلس أبو عبدالله الصوالحي -58 عامًا- برفقة زوجته في أحد شوارع مخيم الشاطئ غرب غزة، داخل كشكٍ خشبيّ لا يتسع لأكثر من ثلاثة أشخاص ويحتوي على أغراض عشوائية، بعضُها تسلّي الأطفال كالطائرات الورقية والعرائس وأخرى تحتاجها النساء في البيت كمواد التنظيف وغيرها.

تُطلّ على الصّوالحي من نافذة خشبية صغيرة فيبتسمان لكَ، وتدخل الكُشك منحني الظهر لقصر بابِه، وسرعان ما يعرفان أنك لستَ من أهل المنطقة، إن كنتَ كذلك.

نظرتُ من تلك النافذة القصيرة فكانت أم عبد الله ترتدي ثوب الصّلاة وتقرأ القرآن الكريم فيما أبو عبد الله يأتي ويجرّ ساقَه جرًّا، مجتازًا مدخلًا آخر للكُشك بدا معتمًا.

أبو عبد الله يروي لـ"فلسطين" أنه في طفولتِه تعرض لحُقنةٍ خاطئة منذ كان رضيعًا، أودت به لشللٍ في ساقِه، لكنها لم تكن يومًا سبباً في يأسِه "فالإعاقة في الفكر لا في الجسد".

درس المرحلة الابتدائية ثم توقّف عن الدّراسة نظرًا لرحلة العلاج الطويلة التي قضاها مع وكالة الغوث – كما يقول- ليمرّ عليه شهران كانا الأصعب في حياتِه نظرًا لفقدانه التعليم، وقد حبس نفسه في غرفةٍ في البيت.

إلا أن الأمر لم يرُق له، ولم يكن الاكتئاب طريقًا لتحقيق شيء إيجابي وفق قناعاته فقرّر أن يخرج من سجنِ نفسِه ويتعلم الخياطة.

ويضيف:" ومن بعدِها نفضتُ نفسي من الهموم وتعلّمت الخياطة وإنْ كانت مُخصّصةً للنساء آنذاك ومن غير اللائق أن يعمل فيها رجلٌ إلا أنني أتقنتُها منذ عمر 12 لتكون مصدرًا لرزقِي فيما بعد".

ويتبع:" العمل مع النساء كان محرجًا بالنسبة لي، لكنني تجاهلتُ الأمر كي أستمر، ولشدة ما كنت مطيعًا لصاحب المصنع وقد تعلّمت بسرعة عيّنني مسئولًا عنهنّ وأوزّع عليهنّ العمل كل يوم ما دفع البعض منهن للغيرة".

وتمرّ الأيام ويتزوّج أبو عبدالله، يروي مستذكرًا:" ذهبتُ لأرى مخطوبتي وأنا بالكاد أقف على ساقاي بسبب آلام ظهري، فقد تعرّضت للضرب المبرح أنا وأخي بالهراوات والبنادق و"البساطير" من قِبل جنود الاحتلال، إذ رأيناهم يجرون طفلًا باتجاه النار، فكان المشهد مهولًا، وهرعنا للدفاع عنه ومنعهم من فعلتهم الإجرامية".

ونظرًا لظروفٍ ألمّت بأصحاب مصنع الخياطة توقّف المصنع، وقعد أبو عبدالله بلا عمل، فكان يُشغِل وقته بقراءة الروايات والكتب، والتي يشتريها من "سوق فراس"، حتى خطرت على بالِه فكرة فتح مكتبة لأهل المخيّم.

يوضح:" كانت تضم مئات الكتب والروايات وأهمها روايات "رجل المستحيل أدهم صبري" للكاتب نبيل فاروق، وكان الصغار والكبار يُقبِلون عليها، نظرًا لندرة المكاتب آنذاك".

كان أبو عبدالله يحقق ذاتَه ويعوّض شيئًا مما فقده من التعليم بتحبيب أهل المخيم بالقراءة من خلال استعارة الكتب بأسعار رمزية، فمن يقرأ خمس كتبٍ أو قصص يُكافئه بالحصول على قصةٍ مجانية، أما فترة الامتحانات فكان يُغلق باب الاستعارة، في حين أن شغف البعض من أهل المخيم كان يدفعهم لفعل أي شيء يمكّنهم من الحصول على الكتاب.

يروي:" جاءتني إحدى الفتيات في عمر 14 تقريبًا تطلب رواية لأحد الكتاب، فأخبرتها أن باب الاستعارة مغلق نظرًا لظروف الامتحانات، وأن الدراسة أهم، وحين انشغلتُ مع أحد الفتية، لمحتُها تضع الرواية في حقيبتِها خلسةً".

يوضح:" كانت مشغوفةً بالقراءة فقط، وليس نوعًا من السرقة، فقد أخبرتني فيما بعد أنها كانت ستعيدها لكنها شديدة الشوق لقراءتها في تلك الساعات".

وفي موقف آخر جاء أحد الأطفال في عمر الحادية عشرة تقريبًا لأبي علاء يطلب روايةً ولم يكن يملك المال، وحينها اقترح الصغير عليه أن يقرأها أمام عينيه بجوار مكتبته الصغيرة، وبالفعل قرأها وأعادها إليه، ورواها له أيضًا وفق قوله.

ويوضح:" حتى النساء كانت ترسل مع أطفالهن ورقةً مكتوبا عليها اسم الكتاب الجديد فيقرأنه ويُعِدنَه للمكتبة"، تلك المواقف وغيرها كانت دافعًا قويًّا ليستمر أبو علاء في إبقاء المكتبة قائمةً إلى أطول فترةٍ ممكنة، حتى توفّر الإنترنيت وخفّ الطّلب عن المكتبة شيئًا فشيئًا.

لكن آثارها باقيةٌ في قلوب وعقول الكثيرين من أهل المخيّم اليوم ومنهم أساتذة في الجامعات وكُتّاب ترعرعوا وكبروا وبات كشك الروايات بالنسبة لهم من أجمل الذكريات، فيأتونه ليهدوه كتبهم أو رواياتهم التي ألفوها وينسبون له كثيرًا من الفضل في تحبيبهم في القراءة والكتابة كما يحكي لـ"فلسطين".

وفي تلك الفترة عمل أبو عبدالله مُدرسًا لأربعين طالبًا في المرحلة الابتدائية في مادة اللغة العربية والرياضيات واللغة الإنجليزية، بعد أن وثِق أهل المخيم به وبقدراتِه في التعليم وحنانِه على الطلاب.

أبو عبدالله الذي لا يملك اليوم سوى بيت ضيق للغاية وبالكاد يحصل على قوتِ يومِه، امتلك الكثير من المواهب التي لم يحظَ بالاستفادة منها في حياتِه نظرًا لظروف غزة الصعبة، فهو يصنع التحف بالخشب وأعواد "الأسكيمو" بطريقةٍ جذابة دقيقة، ويصنع أشكالًا مميزة باستخدام الورق بشتى أنواعه، أما الطائرات الورقية فتساعده في صنعِها زوجتُه التي تغزل الصوف لكنهما بحاجةٍ لمن يسوّق لهما أعمالهما ويمددهما بالمواد الخام اللازمة كي يستمران ويقدّمان أعمالهما فتكون لهما مصدر رزق جيدا، ومصدر أنسٍ جديدا.

لقد حُرِم أبو عبدالله وزوجُه من نعمة الأولاد وسماع أصواتهم وضحكاتهم ومشاكساتهم في البيت، فتمرّ الساعات دون أن يتوقّفا عن الحديث عن سنوات العمر الماضية ، وكان أخبرهما الطبيب في وقتٍ متأخرٍ من العمر والاستنزاف المادي في زراعة الأنابيب الفاشلة أنّهما لن يُنجِبا ما داما زوجين، وإن طُلِّقا وتزوّج كلّ منهما بآخر فإن الطِّب والعلم يضمن لكليهما الإنجاب، وأمام ذلك يقول: "لقد فضّلنا أن نبقى عقيمين على أن نفترق، فالعشرة لا تهون، ومن صبرت عليّ لن أكافئها بالطلاق أو بامرأةٍ أخرى، فأنا لا أقبل ذلك على نفسي".