كيف نحيط 'صفقة القرن'؟!

د. أيمن أبو ناهية
الجمعة ٢٩ ٠٦ / ٢٠١٨

الجولة التي قام بها صهر الرئيس الأمريكي جاريدو كوشنر في المنطقة من أجل تسويق 'صفقة القرن' سواء وافق عليها الرئيس الفلسطيني أم لم يوافق، وهدد باللجوء إلى الشعب الفلسطيني، متوهمًا أنه سيكون له موقف مغاير لموقف قيادته، علمًا أن موقف الشعب أكثر تشددًا، فالجولة ما هي إلا لذر الرماد في عيوننا, لأن الكل يعلم ان 'صفقته تجارية' يريد فرضها بالعصا لابتزازنا سياسيا واقتصاديا بهدف إجبارنا على التنازل عن ثوابتنا وتصفية قضيتنا والركوع للاحتلال وهذا من رابع المستحيلات ان يقبل الشعب الفلسطيني بذلك العرض، وكان أفضل لكوشنر ان يسأل الرئيس كلنتون لماذا رفض عرفات عضه في كامب ديفيد عام ٢٠٠٠، مع العلم أن ما عرض في حينه افضل بألف مرة مما يعرض الان بالنسبة للشعب الفلسطيني، وكل اعتقاده ان انهاء الصراع يتلخص في تقديم مساعدات انسانية وانتهت المسألة، ولا يعرف كوشنر أن المسألة اكبر من ذلك بكثير، والواضح انه لا يعرف ان المسألة هي قضية وطن مغتصب وحقوق ومقدسات وشعب اقتلع من أرضه ودياره، وتم تهجيره قسرا واستجلب مستعمرين من شتى بقاع الأرض لإحلالهم في مكانه.

اذًا المسألة لا تتعلّق بقبول الرئيس عباس أو السلطة من عدمه 'للصفقة' التي يبشّر كوشنر بأنها ستضمن حياة سعيدة للفلسطينيين، وإنما تتعلّق بالشعب الفلسطيني بأسره من أول طفل فيه حتى آخر شيخ في مخيمات اللجوء، والذي يرفض 'صفقة ترامب' وإغراءاته الإنسانية والاقتصادية. وبالتالي فإن «صفقة القرن» لن تمر مهما كانت الضغوطات، لأن الشعب الفلسطيني صاحب الحق ولن يحيد عنه مهما كلفه الامر ومغروساً في هذه الأرض إلى جانب أشجار الزيتون والتين والرمان والبرتقال، ولأنه يفضّل ألف مرة أن يبقى حاملاً لمفتاح العودة إلى بيته، مهما طال الزمن، على كل إغراءات «الصفقة»، ولأن له، في نهاية المطاف، إرثاً نضالياً لا يملكه غيره من شعوب الأرض، وباعاً طويلاً في الكفاح، قادراً على قلب المعادلة القائمة حين تحين الظروف المناسبة.

فليس المطروح كما يتردد من بعض الأوساط، ولا من السهولة، عودة الخيار الأردني بصيغته القديمة من خلال أن يحل الأردن محل منظمة التحرير للتفاوض حول استرجاع الضفة الغربية، بل يعتبر الاحتلال ان الاردن وشبه جزيرة سيناءهما الوطن البديل للفلسطينيين وهذا ما يسعى لتمريره في 'صفقة القرن" ليكون امر واقع يفرض على الجميع ومعنى هذا المخطط الخطير اخلاء الضفة الغربية بالكامل وتهجير السكان وربما عرب الداخل للتخلص من العرب وهو ما يسمى بيهودية الدولة سواء اعترف العرب بها ام لم يعترفوا.

إن الرفض الفلسطيني الشجاع المستمر "للصفقة" يرجع إلى كونها تقوم على تشريع الحقائق الاحتلالية والاستيطانية والعنصرية سعيا لفرض "يهودية الدولة"، لذا يعتبر الرفض الفلسطيني بحدوده الحالية مهما، كونه أدى إلى عرقلة وتأزيم التحرك الأميركي للتمهيد لعرض "الصفقة"، لكنه لم يؤد إلى إحباطها، كما تدل مواصلة الإدارة الأميركية لمساعيها لتمريرها، وما يعنيه ذلك من تزايد احتمال السعي لتجاوز القيادة الفلسطينية، وتشجيع قيام بدائل عنها، حتى لو أدى ذلك إلى دفع الوضع الفلسطيني إلى مزيد من الشرذمة والانقسام وإثارة الفوضى كمدخل لإعادة بناء السلطة على أساس يلبي متطلبات تمرير "الصفقة".

وبالتالي يجب عدم الاستسلام والتسليم " بالصفقة" وكأنها قدر لا راد له، كما يجب عدم الخنوع لمن خضعوا ووافقوا عليها ويمارسون ضغوطا على الفلسطينيين لقبولها دون قيد او شرط، وأنهم مستعدون لتجاوزهم إذا استمروا في رفضها، فهناك فرق بين الموقف العربي الحالي السيئ والضعيف وبين التجند لدعم الخطة الأميركية.

ما سبق لا يعني تبرئة الموقف العربي من المسؤولية على التجرؤ الأميركي على الحقوق والمصالح الفلسطينية والعربية، صحيح ان العرب عارضوا الخطة الأميركية معارضة لفظية من دون الاستعداد لمحاربتها وإسقاطها، وألقوا العبء على الفلسطينيين بحجة أن "أهل مكة أدرى بشعابها"، والان ينتظرون من الفلسطينيين " موافقة غيابية" مع سبق الاصرار والترصد على "الصفقة"، وعندها سيجدون التغطية العربية لموافقتهم عليها.

أقول: الإدارة الأمريكية لا تزال تراهن على أن العرب سيمضون في دعمها من دون الفلسطينيين الرافضين " للصفقة"، وقد شجعهم على ذلك أن الموقف العربي ضعيف جدًا في معارضتها، ولا يرتقي إلى مستوى التحديات التي تطرحها. وإذا لم تتوفر متطلبات إحباطها، وعلى رأسها الوحدة الفلسطينية، فلا يوجد ما يطمئن لاستمرار المعارضة العربية الضعيفة التي يمكن أن تتحول إلى قبول ويتم استبدالها بالمبادرة العربية.

مواضيع متعلقة: