كيف ستتصرف أوروبا نحو فلسطين الآن؟

حسام شاكر
الجمعة ١٨ ٠٥ / ٢٠١٨

انتهت اللعبة التي استغرقت ربع قرن، وتبخّرت الوعود الدولية التي تم بيعها للشعب الفلسطيني تحت لافتة "عملية سلام الشرق الأوسط". من بوسعه الآن أن يأمل بدولة فلسطينية مستقلة عبر المفاوضات؟ وماذا عن القدس التي قررت واشنطن مصيرها لصالح الاحتلال الإسرائيلي؟ امتنع الرؤساء الأمريكيون السابقون عن نقل سفارتهم إلى القدس كي لا تنتهي لعبة التفاوض فتتدحرج الأوضاع إلى الهاوية، لكنّ دونالد ترامب فعلها دون أن يكترث بالعواقب.

وبينما كان جيش الاحتلال يقنص الفلسطينيين جماعياً بالرصاص الحي على تخوم غزة يوم الاثنين (14 مايو)؛ تزاحم في القدس حشد من المسؤولين الأمريكيين وأعضاء الكونغرس تتقدمهم عشيرة ترامب. كان الوفد الأمريكي العريض في حالة بهجة بنقل السفارة الأمريكية إلى المدينة المحتلة، فهؤلاء جميعاً لا يرون الشعب الفلسطيني ولا يكترثون بعشرات الأرواح التي تُزهَق على مقربة منهم، فهم غارقون في نشوة الروايات التاريخية المضللة والتأويلات الدينية المهووسة المخصصة لتمجيد نظام احتلال عسكري. لقد تحدثوا عن دونالد ترامب كما لو كان مسيحاً مخلِّصاً ابتعثه الربّ لإنجاز ما عجز عنه أسلافه في البيت الأبيض. استهتر الاحتفال البهيج بالأرواح والدماء، وأهان الشعب الفلسطيني الذي يُحصي ضحاياه، وأصغرهم الرضيعة ليلى الغندور، التي خنقها الجيش الإسرائيلي بالغاز شرق غزة.

جاء افتتاح السفارة تعبيراً عن تحوّل أمريكي يُنهي ربع قرن من وعود إقامة الدولة الفلسطينية المستقلة عبر المفاوضات. يفرض هذا التحوّل على أوروبا أن تجيب على سؤال جوهري: ماذا بعد؟ بالطبع يمكن تسويق الوعود للفلسطينيين ربع قرن آخر، لكنهم لن ينتظروا أحداً حتى حينه، وها هم يحتشدون في وجه الاحتلال الإسرائيلي بأساليب جماهيرية غير متوقعة.

إنها مسيرات شعبية سلمية ضخمة تطالب بحقوق مشروعة صدرت بشأنها قرارات دولية ظلّت حبراً على ورق. تحرّك اللاجئون العزّل نحو وطنهم لاسترجاع أراضيهم وبيوتهم التي سلبتها منهم السلطات الإسرائيلية، وقد أدركت كل هذه الجماهير الغفيرة أنّ المجتمع الدولي قد خذلها منذ القرن الماضي حتى فقد مصداقيته لديها إلى غير رجعة.

تستطيع أوروبا السياسية الاكتفاء بمراقبة المذابح الإسرائيلية بحق المتظاهرين العزّل وإصدار بلاغات لفظية كما فعلت في مواسم سابقة، لكنّ هذا لا يعفيها من التزاماتها الأخلاقية ولا من مسؤوليتها التاريخية المؤكدة في صناعة النكبة أيضاً. لقد دفع الشعب الفلسطيني ثمناً باهظاً جراء سياسات أوروبية خلال النصف الأول من القرن العشرين، بما أدّى إلى اقتلاعه من أرضه ودياره وتحويل معظمه إلى لاجئين بلا وطن.

أما الدولة التي قامت على أنقاض فلسطين فحملت خبرات استعمارية أوروبية تقليدية، وتميّزت بنفي وجود الشعب الفلسطيني وإنكار حقوقه الأساسية، بما فيها حقه في تقرير المصير؛ وفي عودة لاجئيه إلى أراضيهم وديارهم؛ وفي إقامة دولته المستقلة بعاصمتها القدس. على الفلسطينيين في المنطق الإسرائيلي السائد أن يتلاشوا أو أن يخضعوا للاحتلال إلى الأبد؛ دون أن يحتجّوا أو يصرخوا أو يقاوموا. وكي ينجح الاحتلال في اختبار البقاء يتعيّن عليه الاستمرار في قهر هذا الشعب بشتى الوسائل، وتصميم أنظمة متطورة من سرقة الأرض ونهب الموارد والسيطرة الشاملة والفصل العنصري، مع ممارسة الترهيب والسجن والإبعاد والقتل. كل هذه الممارسات المنهجية لم تمنع من كيْل المديح لهذا النظام المارق من المواثيق الدولية باعتباره حالة "ديمقراطية زاهرة تنتمي إلى العالم المتحضِّر". إنها دعاية ملائمة تماماً لتغطية الحقائق وستر جرائم الحرب والقتل الوحشي المتواصل بحق الشعب الفلسطيني.

لكنّ القيادة الإسرائيلية عندما قرّرت الاحتفال بمرور سبعين سنة على نكبة الشعب الفلسطيني بمعاونة إدارة ترامب المتحالفة معها؛ خسرت نشوة اللحظة ولم تنجح في حجب الواقع. فما زال الفلسطينيون في صميم المشهد يصنعون الحدث ويكشفون الحقائق غير المرغوبة ويرفعون مفاتيح بيوتهم المغتصبة. شاهد العالم جرح النكبة الفلسطيني الذي لم يندمل وهو ينزف بغزارة. وحتى احتفال السفارة الأمريكية ما كان له أن ينجح إلا بعرقلة تجوال الفلسطينيين في القدس وبإقدام قوات الاحتلال على مطاردات عنيفة في أحياء المدينة ومخيماتها التي غمرتها الأدخنة المنبعثة من قنابل الغاز.

انتهى حفل الابتسامات في السفارة الأمريكية وخرج المتحدثون الإسرائيليون لمطالبة الشعب الفلسطيني بالاعتراف بالأمر الواقع، أي التسليم بالاحتلال وعدم رفضه. تبدو هذه المزحة السمِجة كمن يطالب العالم بالاعتراف بالفقر والجهل والمرض كأمر واقع لا ينبغي احتواؤه أو مواجهته. لكنّ الأمر الواقع الذي يشاهده العالم اليوم هو إصرار الشعب الفلسطيني على انتزاع حقوقه مهما طال الزمن وتعاظمت التضحيات.

تتقدّم أجيال فلسطينية في مسيرات شعبية مجرّدة من أي سلاح، للوصول إلى أراضيها وبيوتها الواقعة خلف السجن الكبير المسمى قطاع غزة. فهل تصوّر ديفيد بن غوريون عندما كان يُشرف على برنامج التطهير العرقي في فلسطين، أنّ شعب اللاجئين سيواصل صناعة الحدث وإعلاء صوته والمطالبة بأرضه ودياره حتى بعد سبعين سنة؟

راهنت الحكومات الإسرائيلية المتعاقبة ومعها حلفاؤها على جانبي الأطلسي بشكل خاطئ على عامل الزمن، بافتراض أنه سيؤدي إلى تآكل قضية فلسطين وضمور هوية شعبها ويأس أجياله من المطالبة بحقوقها. أظهرت الذكرى السبعون للنكبة أنّ للزمن مفعولاً عكسياً تماماً، وقد أخفقت كل الحِيَل والخطط التي تم تجريبها مع هذا الشعب لإنهاكه، والنتيجة هي صعود جيل فلسطيني جديد لا يخشى الرصاص الحي ولا يبخل بتضحياته رغم أصابع الجنود الإسرائيليين الرشيقة على الزناد.

على أوروبا استيعاب الرسائل التي تحملها هذه التطوّرات غير العادية، فهي نهاية مرحلة مكللة بالوعود الزائفة والشعارات الجوفاء استغرقت ربع قرن. وعلى أوروبا أن تحدد موقفها من سياسة الخنق الجماعي المفروضة بتواطؤ دولي على مليوني فلسطيني في سجن كبير معزول عن العالم اسمه قطاع غزة. تمّ إخضاع هذا الشعب لحصار غير أخلاقي لأهداف سياسية، ربما على أمل إحداث انفجار جماهيري داخلي ضمن غزة ذاتها. لكنّ سياسة العقاب الجماعي هذه أدّت في النهاية إلى انفجار شعبي عارم في وجه الاحتلال، ليس من أجل الرغيف والدواء بل من أجل الحقوق والعدالة. وأخيراً؛ هل من وصفة تقترحها أوروبا على الشعب الفلسطيني غير انتظار وعود وشعارات عاجزة ربع قرن آخر؟

مواضيع متعلقة: