لاجئو "عين الحلوة" يجمعون أحجار قبور موتاهم من بيوتهم!

": من يُهرّب كيس إسمنت للمخيم يَمثُل أمام محكمة عسكرية
بيروت-غزة/ أحمد المصري:

فتحت وفاة الشاب خالد زعيتر من مخيم عين الحلوة للاجئين الفلسطينيين قرب مدينة صيدا جنوبي لبنان، جُرحَ أهالي المخيم قاطبة، مع بقاء جثمانه حبيس ثلاجة الموتى، لعدم توفر أحجار بناء قبره، وما يلزم معها من إسمنت، مع حظر السلطات اللبنانية دخولها للمخيم منذ يوليو/ تموز الماضي.

ولم يجد أهالي المخيم مع هذا الحظر لإدخال الأحجار وإسمنت البناء الخاصة بالمقابر سوى جمع ما توفر من أحجار تثبيت أسقف معرشات أسطح منازلهم وكراجاتهم وبركساتهم الخاصة لدفن ابن مخيمهم الشاب "زعيتر".

تصريح مكتوب

وقال أمين سر اللجان الشعبية للمخيمات الفلسطينية في صيدا، عبد الرحيم مقدح، إنّ السلطات اللبنانية منعت منذ أحداث مخيم عين الحلوة الأخيرة في يوليو/ تموز الماضي، دخول مواد البناء للمخيمات سواء كانت تلك المتعلقة بأعمال ترميم المنازل، أو حتى ما يخص حاجة مقبرة المخيم، إلا بتصريح وإذن مكتوب.

وأضاف مقدح لصحيفة "فلسطين": "أصبح دفن أي ميت فلسطيني داخل مخيم عين الحلوة، نقطة مؤلمة تُدخل أقارب المتوفى في دوامة البحث عن أحجار البناء، والإسمنت اللازم"، لافتًا إلى حاجة هذه المواد لتصريح مكتوب من الأمن اللبناني لإدخالها.

وفي السياق ذاته، ذكر الناشط الاجتماعي في المخيم محمود أبو عطايا أنّ عدم مقدرة الأهالي على دفن الشاب "زعيتر" مع عدم وجود مواد بناء القبر، ولّد حالة من الضغط، والتفاعل الشعبي، نتج عنها في نهاية المطاف التصريح بإدخال 200 حجر، و20 كيسًا للإسمنت بما يخص حاجة مقبرة المخيم.

وأشار أبو عطايا لـ"فلسطين" إلى أنّ المواد التي سمح بإدخالها فعليًا تكفي لإعداد قبرين فقط داخل المقبرة، ومع انتهائهما سيدخل ذوو أي متوفى في المخيم بدوامة البحث من جديد عما يواري ميتهم الثرى، مشددًا على أن هذه القضية ذات أبعاد مؤلمة على كل المخيمات الفلسطينية في الجنوب اللبناني.

واتخذت السلطات اللبنانية عام 1997 قرارًا مفاجئًا يقضي بتقييد دخول كل ما يتعلق بمواد البناء إلى مخيمات مدينة صور، وصيدا، وبيروت، من دون إبداء الأسباب والدوافع، وقد استقرت بشكل تام على منعها في يونيو/ حزيران عام 2005.

سجن كبير

ومخيم عين الحلوة، أكبر المخيمات الفلسطينية في لبنان، وأكثرها ازدحامًا بالسكان، مقارنة بالمخيمات الأخرى، وتفرض السلطات الأمنية اللبنانية تجاهه العديد من القيود والتي حولته مؤخرا إلى ما يشبه السجن الكبير، بعد إحاطة معظم جوانبه بجدار إسمنتي، وفرض الحواجز على مداخله.

وأكد المسؤول في المنظمة الفلسطينية لحقوق الإنسان "شاهد"، في بيروت، محمد الشولي، أن قرار السلطات اللبنانية بعدم إدخال مواد البناء للمخيمات الفلسطينية، أضحى كابوسا لكل اللاجئين.

وشدد الشولي في حديثه لـ"فلسطين" على أن "الأحياء والأموات" على حد سواء داخل المخيمات الفلسطينية ينالهم تأثير هذا القرار، ويعجز اللاجئون في كثير من الأحيان عن توفير أحجار ومواد بناء قليلة لدفن موتاهم، ودخولهم عبر إجراءات معقدة وأذونات من الأمن اللبناني لإدخالها.

وأشار إلى أنّ اللاجئين الفلسطينيين ومع تعاقب السنوات، وقرار منع إدخال مواد البناء لمخيماتهم، باتوا يعيشون في بيوت مهترئة، يعجزون عن إصلاحها، رغم ما تشكله من مصدر خطر على حياتهم.

محكمة عسكرية

ولفت إلى أنّ محاولة تهريب أي من اللاجئين لكيس إسمنت للمخيم، تحول صاحبه لمحكمة عسكرية واتخاذ جملة من الإجراءات القضائية بحقه في حال تم ضبطه، وهو ما يجعل الكثير من سكان المخيم يرضون بحالة بيوتهم المزرية.

وقال الشولي إنّ مشاريع وكالة غوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين "الأونروا"، هي الأخرى لا تسلم من الإجراءات اللبنانية المعقدة لإدخال مواد البناء للمخيمات، لتنفيذ أي من المشاريع، ويستغرق حصولها على أوراق البدء أوقاتا طويلة تستغرق في بعض الأحيان عدة شهور.

وأضاف: "وكأن الدولة اللبنانية وعبر هذه الإجراءات ترنو للحد من عدد سكان المخيمات، وفي حقيقة الأمر فإن هذا الأمر فعلا حصل بصورة أو أخرى مع موجات الهجرة من المخيمات للدول الأوروبية".

وطالب الشولي الحكومة اللبنانية بضرورة تطبيق مبادئ القانون والقانون الدولي، ومعاملة اللاجئين الفلسطينيين معاملة إنسانية بما يحفظ كرامتهم، منبهًا إلى أن قرار منع إدخال مواد البناء للمخيمات ذو تأثير على اللاجئين الفلسطينيين وأهالي المتوفين بشكل قاطع لا لبس فيه.

وإلى جانب قرار منع إدخال مواد البناء للمخيمات الفلسطينية، تحرم السلطات اللبنانية اللاجئين الفلسطينيين على أراضيها من سلسلة طويلة من الحقوق، أبرزها الحق في العمل، وتملك العقارات، ودخول الطلبة للكليات الجامعية العملية.