لماذا الخان الأحمر؟!

د.أيمن أبو ناهية

عندما يصبح القضاء الإسرائيلي مسخرًا في خدمة سلطات الاحتلال لمواصلة سياسة التهويد والتهجير والهدم وضم الأراضي الفلسطينية دون وجه حق، هل هذا هو الوجه الحضاري للديمقراطية التي تزعم حكومة الاحتلال التمسك بها؟! إن القرار تشريع رسمي لجرائم الهدم والتهجير، وهو لا يمثل أدنى نوع من الأصول القانونية، ذلك لأن الاحتلال الذي طالب بالهدم لأهداف استيطانية، هو أساس غير قانوني ولا يوجد له أي حق أو منطق بقرار الهدم وتهجير عشرات العائلات، وبالتالي فإن تجاوب المحكمة مع رغبته يجب أن يلقى الرفض الكامل ليس على المستوى الوطني فقط وإنما على المستوى القانوني والمجتمع الدولي عمومًا.

إن قضية العائلات البدوية التي تسكن بالخان الأحمر منذ سنوات عديدة ولها حقوق عميقة بالأرض والبقاء والتعليم، ستكون نموذجًا صارخًا لممارسات الاحتلال اللاإنسانية، وقد تشكل سابقة لقضايا أخرى مماثلة، وتؤكد مرة أخرى أن القضاء الإسرائيلي يرتبط بالسياسة وبالأهداف الحكومية وينسجم مع ذلك بصورة كاملة تقريبًا.

انظر كيف تتلاعب سلطات الاحتلال بالسكان وتتحايل على القانون، فقد سارعت ما يسمى "الإدارة المدنيّة" إلى عقد اللقاء مع الأهالي؛ لاقتراب موعد جلسة المحكمة العليا، في 25 أيلول/ سبتمبر الجاري؛ للنظر في التماس قدّمه التجمع ضدّ خطّة الاحتلال لهدم مبانيه، والتماس آخر قدّمته المستوطنات القائمة في المنطقة مطالِبة بالإسراع إلى تنفيذ هدم تلك المباني.

ورأت أن سلطات الاحتلال تريد أن تُبرز أمام المحكمة صورة زائفة تظهر فيها أنّها تعمل بحُسن نيّة وبالتشاور مع التجمّع السكّاني، بخلاف الأمر على أرض الواقع، واستطاعت خداع الأهالي وفي نفس الوقت مررت الكذبة على المحكمة وصدقت روايتها، بل إن المحكمة نفذت في الحقيقة أوامر وزير الحرب أفيغدور ليبرمان أن وزارته تستعدّ لإخلاء تجمّعين سكّانيّين فلسطينيّين بُنيا داخل مناطق "C" دون تراخيص بناء، خلافًا للقانون (وفق زعمه)، هما سوسيا والخان الأحمر.

فأي حجة تلك التي تتذرع بها سلطات الاحتلال عندما تهجر تجمعات سكانية كاملة تضم مساكن تؤوي 21 أسرة، قوامها 146 نفرًا، منهم 85 طفلا، ويوجد في المكان أيضًا مسجد ومدرسة أقيمت عام 2009 يدرس فيها أكثر من 150 طالبًا تتراوح أعمارهم بين 6-15 سنة، نصفهم من سكّان التجمّعات المجاورة، فهل السبب فعلًا بحجة الترخيص، أم لضم أراضيه لتتوسّع فيها المستوطنات القائمة في المنطقة، ويقدر عدد البدو شرقي القدس اليوم بنحو 7000 نسمة، ترفض سلطات الاحتلال الاعتراف بوجودهم وتسعى لطردهم.

أجل إن قرار هدم هذه التجمعات السكانية مبيت منذ عام 1977 وبقي معلقًا حتى عام 2010 حيث صدر أول قرار عن ما يسمى الإدارة المدنية بهدم كل المنشآت في الخان الأحمر لتخدم توسيع المستوطنات القائمة في المنطقة، وبذلك تكون قد نجحت سلطات الاحتلال بفصل شمال الضفة عن جنوبها وتكون قد استولت على هذا الحزام من القدس مرورًا بمدينة أريحا وصولًا إلى المرتفعات والأغوار الشرقية وهي أخصب وأجود الأراضي الفلسطينية، ولم يتوقف الأمر عند هذا الحد، يقول خبير الاستيطان خليل التفكجي إن هناك مشروعًا إقليميًّا خطيرًا يستهدف المنطقة عام 2050 وهو تدشين أكبر مطار فيها يستوعب 34 مليون مسافر سنويًا.

الفلسطينيون بدؤوا بالاعتصام في الخان الأحمر لمنع تنفيذ قرار الهدم والتهجير، وهذا موقف واجب وقرار صادق ويعبر عن الرفض الفلسطيني لكل سياسات الاحتلال وليس للقرار المتعلق بالخان الأحمر فقط، وهذا الموقف الوطني يجب أن يرافقه توجهات رسمية وحقوقية إلى المجتمع الدولي ومؤسسات حقوق الإنسان لكي يدرك العالم كله حقيقة ما يجري. كما أن ممثلي المؤسسات الدولية رسميًا وممثلي تنظيمات حقوق الإنسان في الأراضي المحتلة عام 1948، مطالبون ومدعوون للمشاركة باعتصامات الرفض لقرار الهدم كما شاركوا منذ البداية.

"الطلق إلي ما يصيب بدوش" صحيح أن الاعتصامات والاحتجاجات لن تمنع الاحتلال من تنفيذ قرار الهدم ولكنها تمثل رفضًا لممارساته وتأكيدًا على الحق الوطني والموقف الشعبي وتماشيًا مع الرفض العام للاحتلال بكل غطرسته وسياساته التوسعية الاستيطانية وخططه للتشريد والتهجير لكي يسيطر على أكبر مساحة من الأرض بوجود أقل عدد من المواطنين!