​ليس هكذا تورد غزة يا عباس

مصطفى أبو السعود
الخميس ١٩ ٠٤ / ٢٠١٨

يحكى أنه كان لسعد بن مناة أخ يقال له مالك، وكان مالك هذا خبيراً في رعي الإبل، وقد اشتهر بأنه أفضل من رعى إبلاً والأكثر رفقاً بها، فانشغل مالك هذا بزواجه، فأوكل إلى أخيه سعد أمر رعاية إبله، لكن سعداً لم يعرف كيف يردها إلى الماء، ولم يُحسن رعايتها ولا الرفق بها، فقال فيه أخوه مالك بيتاً من الشعر (أَوْرَدَهَا سَعْدٌ وسَعْدٌ مشْتَمِلٌ.. مَا هَكَذَا يَا سَعْدُ تُورَدُ الإِبلُ) أصبح مثلاً يُضرب به حتى يومنا هذا، لكل من حصل منه عمل غير مناسب، (وسعد بن زيد مناة بن تميم، هو شاعر وفارس جاهلي قديم ولد سنة 360م، 270 سنة قبل الهجرة).

مناسبة ذكر هذه القصة هو أن رئيس السلطة محمود عباس قد أورد جزءا مهما من الوطن في وادٍ غير ذي زرع، فأهلك الحرث والنسل، وأخفى الحس الوطني عند البعض وقزم القضية في نفوس الكثيرين، فهو يريد أخذ كل شيء قبل إعطاء أي شيء، ويريد السيطرة على غزة وفق فلسفته التي يعتقد أنه بهايحافظ على المشروع الوطني الفلسطيني، ونسي أنه قد يكون بذلك من (الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعًا).

ففي الوقت الذي يشحذ الشعب الفلسطيني داخلياً وخارجيا همته نحو نصرة وتفعيل وتقوية مسيرة العودة الكبرى، التي تنسجم مع فلسفة القرارات الدولية ومع فلسفة السلطة بالمقاومة الشعبية، يصر عباس على تعكير هذا التفاعل الرائع ،ليواري سوأته وتقصيره من خلال افتعال أزمات جانبية جديدة وخلق منغصات على أهل غزة، وقطع أرزاقهم والتهديد بفرض عقوبات جديدة عليهم، فقد تحولت قضيتنا من (متى نعود إلى فلسطين؟) إلى (متى سنزور بنك فلسطين؟) ومن (على القدس رايحين شهداء بالملايين) صارت (على بنك القدس رايحين نستلم الملاليم).

وحول طريقة تعامل عباس مع غزة سأنطلق من فرضيتين:

الأولى: أن ما يفعله عباس بغزة نابع من ضغوط أمريكية صهيونية، وهنا أتساءل: هل لهذه الدرجة فقد عباس كل مقومات الرجولة واستسهل الهوان وقبل على نفسه أن يخلده التاريخ بأبشع الأوصاف.

الثانية: أن ما يفعله عباس نابع من عداء شخصي يكنه لحماس، وهنا أتساءل: هل يعقل أن يؤخذ أحد بجريرة غيره، رغم أن الله عز وجل يقول (ولا تزر وازرة وزر أخرى) وهل من المنطقي أن أقتل ابني نكاية بأخي؟

كان الأولى لعباس إن أراد أن يشكره الناس في الدنيا، ويبكون عليه حين يموت، أن يلتمس احتياجاتهم ويخفف عنهم ويكسبهم ويحتضنهم من خلال رفع العقوبات التي فرضها على غزة دون مسوغ قانوني أو وطني، وفتح آفاق الأمل والعمل، وإنعاش الوضع الاقتصادي الذي هو ركيزة أي نجاح في كسب الشعب، وحل أزمات غزة بشكل عاجل، لكن (فَإِنَّهَا لَا تَعْمَى الْأَبْصَارُ وَلَٰكِن تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ).

--