محاسبة النفس طريق سليم للوقاية من عذاب الآخرة

غزة/ صفاء عاشور:

شهر رمضان فرصة كبيرة ليحاسب المسلم نفسه عن جميع الأخطاء والمعاصي التي ارتكبها خلال المدة الماضية، بعدد من الخطوات والأمور التي يجب على المسلم الإيمان والقيام بها فعليًّا ليحاسب نفسه.

عميد كلية الشريعة والقانون أستاذ الفقه المقارن في الجامعة الإسلامية د. ماهر السوسي أكد أنه لا يمكن القول إن هناك آليات مادية يمكن بها دفع الناس إلى محاسبة أنفسهم؛ فإن الأمر معنوي محض.

وبيّن في حديث إلى "فلسطين" أن محاسبة النفس تدخل في باب الموعظة الحسنة، والنصيحة الصادقة، وأن الأمر بعد ذلك يتوقف على كل شخص على حدة، وعلى مدى إرادته لمحاسبة نفسه، وجدّه في هذا الأمر، وفهمه أهمية محاسبة النفس.

قال السوسي: "جاء في الحديث الشريف عن شَدَّادِ بْنِ أَوْسٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ): (الْكَيِّسُ مَنْ دَانَ نَفْسَهُ، وَعَمِلَ لِمَا بَعْدَ الْمَوْتِ، وَالْعَاجِزُ مَنْ أَتْبَعَ نَفْسَهُ هَوَاهَا، ثُمَّ تَمَنَّى عَلَى اللَّهِ)".

وأضاف: "وقال عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ: (حَاسِبُوا أَنْفُسَكُمْ قَبْلَ أَنْ تُحَاسَبُوا، فَإِنَّهُ أَهْوَنُ لِحِسَابِكُمْ، وَزِنُوا أَنْفُسَكُمْ قَبْلَ أَنْ تُوزَنُوا، وَتَجَهَّزُوا لِلْعَرْضِ الْأَكْبَرِ {يَوْمَئِذٍ تُعْرَضُونَ لَا تَخْفَى مِنْكُمْ خَافِيَة})".

وأشار السوسي إلى أن محاسبة النفس أمر لابد منه حتى يقي الإنسان نفسه عذاب الآخرة، وحتى يتمكن من تدارك ما قد يكون وقع منه من معاصٍ وآثام، لذلك يجب تحديد خطوات محاسبة النفس والدوافع إلى ذلك.

وبين أن الخطوة الأولى هي العلم بأن محاسبة النفس هي مطلب شرعي، ويمكن الاستدلال على ذلك من حديث رسول الله (صلى الله عليه وسلم) السابق، الذي ذكر فيه أن "الكيّس من دان نفسه"، و(الكيّس) بتشديد الياء وكسرها هو العاقل الحكيم الفطن.

وأكمل السوسي: "إن الإنسان الفطن هو الذي يراقب نفسه ويحاسبها باستمرار، والإنسان العاقل هو الذي يدين نفسه، أي يتهمها بالقصور، حتى لا يُصاب بالغرور، ويظن نفسه فوق غيره عبادة وخلقًا".

ولفت إلى أن لفظ محاسبة النفس ورد صريحًا عن عمر بن الخطاب (رضي الله تعالى عنه)، إذ قال: "حاسبوا أنفسكم قبل أن تحاسبوا"، وهو مفهوم حديث رسول الله (صلى الله عليه وسلم) السابق.

وأفاد السوسي أن الخطوة الثانية هي: التصديق بأن الإنسان محاسب في الآخرة، إذ إن من دواعي محاسبة النفس أن يوقن المسلم أنه سيقف بين يدي الله (تعالى)، وأن الله محاسبه على كل ما فعل، وفي هذا يقول الله (تعالى): {فمن يعمل مثقال ذرة خيرًا يره، ومن يعمل مثقال ذرة شرًّا يره}.

ولفت إلى أنه يجب على المسلم أن يتذكر دائمًا أن مصيره بناء على هذا الحساب إما إلى جنة ونعيم مقيم، أو إلى نار وعذاب مقيم، وأن حساب الدنيا هو أهون بكثير من حساب الآخرة، كما ورد في الأثر السابق عن عمر بن الخطاب (رضي الله تعالى عنه).

أما الخطوة الثالثة _حسبما ذكر السوسي_ فهي: أن يعتقد الإنسان أنه خطاء لا محالة، إذ إن أكثر ما يردي الإنسان مرادي الهلاك أن يغتر بنفسه، وأن يظن أنه لا يخطئ، أو أنه أكثر الناس زهدًا وورعًا، أو أنه فوق الشبهات، أو أنه معصوم، كل هذا غير صحيح.

وبيّن أن العصمة وعدم الوقوع في الخطأ هي صفة لم تعطَ إلا للأنبياء فقط، أما عدم تصور الخطأ فهذا أمر رده رسول لله (صلى الله عليه وسلم) بقوله: "كل ابن آدم خطاء، وخير الخطائين التوابون"، وعلى ذلك الإنسان مطالب بتدارك هذه الأخطاء مسبقًا، وقبل فوات الأوان، إذ إنه: {كل نفس ذائقة الموت}، ولا يستطيع أحد معرفة نهاية أجله.

وأفاد السوسي أن الخطوة الرابعة هي: الاستفادة من نفحات الله (تعالى) ومن مواسم الخير، إذ قال رسول الله (صلى الله عليه وسلم): "تَعَرَّضُوا لِنَفَحَاتِ اللَّهِ فِي أَيَّامِ دَهْرِكُمْ؛ فَإِنَّ لِلَّهِ نَفَحَاتٍ عَسَى اللَّهُ أَنْ يُصِيبَكُمْ مِنْهَا بِوَاحِدَةٍ فَلَنْ تَشْقُوا بَعْدَهَا أَبَدًا".

وذكر أن الله (تعالى) فضل بعض الأيام على بعض، وبعض الشهور على بعض، وفي الدهر أيام هي مواسم للخير، يضاعف فيها العمل، وتزداد فيها الأجور، ذلك مثل العشرة الأولى من ذي الحجة، والأخيرة من شهر رمضان، ثم شهر رمضان، وليلة القدر، وغيرها من الأزمان الأخرى.

وشدد السوسي على أن هذه المواسم _وخاصة شهر رمضان_ لها وقع خاص على النفس، ويرتفع فيها الحس الإيماني عند الناس، وعلى ذلك إن هذه الحالة الإيمانية هي دافع قوي يجب أن يستفيد منه الإنسان ليحاسب نفسه، ويعود إلى ربه.

وبيّن أن الخطوة الخامسة هي الاعتقاد بأن الله ينتظر توبة عبده ويفرح بها، إذ إنه من دواعي محاسبة النفس عدم اليأس والقنوط من مغفرة الذنوب، وخصوصًا إذا كثرت، فكثرتها توحي إلى الإنسان بأنه أسرف ولن يُغفر له.

استدرك السوسي: "ولكن الله (تعالى) يدفع هذا الأمر، ويبيّن أن عكسه هو الصحيح، فيقول في كتابه العزيز: {قل يا عبادي الذين أسرفوا على أنفسهم لا تقنطوا من رحمة الله إن الله يغفر الذنوب جميعًا إنه هو الغفور الرحيم}".

وأضاف: "فإذا ما علم الإنسان أن الله يقبل توبته، وأنه يغفر له؛ فإنه لا محالة محاسب نفسه، وراجع عن غيه".

مواضيع متعلقة: