​محمود عباس.. "الخيار الإسرائيلي" على رأس السلطة

صورة أرشيفية
غزة/ نبيل سنونو:

مفارقة؛ انتفاضة الحجارة كانت مشتعلة، بينما استحث محمود عباس، رئيس السلطة حالياً، الخطى للذهاب لمفاوضات أدت لاحقاً لاتفاق أوسلو سنة 1993، رغم معارضة واسعة، ليس بعيداً عن اغتيال "الموساد" الإسرائيلي لخليل الوزير "أبو جهاد"، في البيت المجاور لمنزل عباس في تونس، سنة 1988.

عباس ولد في صفد سنة 1935، وبدأ حياته السياسية في ستينيات القرن الماضي في سوريا وقطر، ثم انضم إلى حركة فتح.

استمر عباس في لقاءاته السرية مع قادة الاحتلال الإسرائيلي، ونسق مفاوضات ما يسمى "مؤتمر مدريد للسلام" في 1991، وكان رئيس الوفد المفاوض الذي أشرف على توقيع "أوسلو"، فضلاً عن أنه أعد صفقة "عباس-بيلين" التي توصف بأنها نسخة مماثلة لـ"صفقة القرن".

وعاد عباس لقطاع غزة في يوليو/ تموز 1995، وتولى منصب أمين سر اللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير في 1996.

وفي عهد الرئيس الراحل ياسر عرفات، قبِل عباس منصب رئيس الوزراء الذي يُعتقد على نطاق واسع أن أمريكا فرضته على الأول أثناء الحصار، وعُيِّن في حكومة استمرت أربعة أشهر من نهاية أبريل/ نيسان حتى بداية سبتمبر/ أيلول 2003.

وكان الرئيس الأمريكي السابق جورج بوش، دعا في 2002 الفلسطينيين إلى اختيار قادة جدد لا علاقة لهم بما سماه "الإرهاب"، على حد وصفه.

وواجه عباس انتقادات شديدة بسبب طريقته في إدارة المفاوضات مع الاحتلال إزاء ملف الأسرى في سجون الاحتلال إضافة إلى الانسحابات ونزع أسلحة المقاومة واللغة التي يستخدمها في خطابه السياسي.

وبحسب ما ذكرته صحيفة "هآرتس" العبرية حينها، فإن عرفات اعتبر عباس مبتدئاً لا يدرك ما يقوم به من أفعال، وقال "كيف يجرؤ على التعامل بود مع شخص كشارون (رئيس حكومة الاحتلال وقتها) الذي يعرف العالم أجمع سيرة حياته".

وحينئذ أشاد شارون بقدوم عباس قائلاً: "الصورة اليوم تختلف بالنسبة للإسرائيليين والفلسطينيين، أود أن أرحب برئيس الوزراء الفلسطيني محمود عباس وأعضاء حكومته".

ويتداول إعلامياً أن الراحل عرفات أطلق على عباس صفة "كرزاي فلسطين"، وقد استقال الأخير نتيجة لرفض جماهيري باعتباره خياراً أمريكياً إسرائيلياً.

وورد في خطاب استقالة عباس، بحسب وثيقة نشرتها وسائل الإعلام: "ما دمتم مقتنعين بأنني كرزاي فلسطين وأنني خنت الأمانة ولم أكن على قدر المسؤولية فإنني أردها لكم لتتصرفوا بها".

واللافت أن استقالة عباس أثارت غضباً أمريكياً إسرائيلياً، فقد قال وزير القضاء بحكومة الاحتلال آنذاك تومي لابيد: "ما تعنيه استقالة أبو مازن هو أن الفلسطينيين يرتكبون الانتحار السياسي".

"حفنة من المستورثين"

وبدا أن شارون قرر إزاحة عرفات بقوله: "أنا في حل من الالتزام الذي أعطيته لعرفات".

وفي أواخر 2004 بدأت صحة عرفات بالتدهور وتقرر نقله إلى باريس، وترأس عباس اجتماعاً للجنة التنفيذية في ظل غياب عرفات.

وأعلنت سها عرفات، عقيلة الراحل، في 3 نوفمبر/ تشرين الثاني 2004 أن "حفنة من المستورثين قادمون غدا إلى باريس يحاولون دفن أبي عمار وهو حي"، وفي اليوم التالي لتصريحها، زار عباس باريس والتقى الرئيس الفرنسي في ذلك الوقت جاك شيراك.

وفي 11 من الشهر نفسه، رحل عرفات، ليصبح عباس رئيساً لمنظمة التحرير وحركة فتح ومرشحاً لرئاسة السلطة الفلسطينية، التي وصل إلى سدتها بالفعل، بناء على 13 وعداً انتخابياً لم يدخلوا حيز التنفيذ، ومنها تعزيز الوحدة الوطنية، بحسب مراقبين.

وبدا عباس لشارون خياراً وفرصة "تاريخية" عند انتخابه، قائلاً: "نحن نرى فرصة كبيرة في انتخاب عباس، ونأمل أنه سيكون قادراً على قيادة شعبه ومحاربة (ما أسماه) الإرهاب.. ونحن سنبذل قصارى جهدنا للتعاون مع القيادة الفلسطينية الجديدة وسوف نتخذ التدابير اللازمة لمساعدة الرئيس عباس، نحن على استعداد لمساعدته بقدر ما نستطيع".

وفي عصر عباس، الذي بقي في منصبه رغم انتهاء ولايته في 2009، وقع الانقسام الفلسطيني.

وخسرت حركة فتح الانتخابات التشريعية في 2006 أمام حركة المقاومة الإسلامية حماس التي حصلت على 76 مقعداً من أصل مقاعد المجلس التشريعي البالغة 132.

لكن عباس عمل جاهداً على تعطيل المجلس التشريعي، وامتنع عن دعوته للانعقاد في مخالفة لاتفاقات المصالحة الوطنية، وشكل حكومات منفرداً في رام الله بالضفة الغريبة المحتلة.

كما يُتهم عباس بأنه تفرد بالقرار السياسي الفلسطيني، وعادى دولاً عربية، وسيطر على السلطة القضائية.

وفي الوقت الذي يتباهى فيه بالانضمام لمنظمات دولية، تفرض سلطات الاحتلال الوقائع على الأرض.

ويصادق عباس على قوانين هذه المنظمات التي لا توائم "القرارات بقوانين" التي يقرها، ومن ذلك إقراره ما يسمى قانون الجرائم الإلكترونية، الذي يُنظر إليه على أنه قمع لحرية الرأي والتعبير.

وقبل نحو عام، قال "وزير الإسكان" بحكومة الاحتلال يوآف غالانت، في تصريح صحفي، إن (إسرائيل) تسعى لبناء مليون وحدة استيطانية في الضفة الغربية وشرقي القدس المحتلتين، في السنوات الـ20 المقبلة.

ووفق إحصائيات فلسطينية، تضاعف عدد المستوطنين في الضفة الغربية المحتلة سبع مرات منذ اتفاق أوسلو، وارتفع عدد المستوطنين هناك لأكثر من 750 ألفاً.

ووصف عباس التنسيق الأمني مع الاحتلال في الضفة الغربية بأنه "مقدس"، وناهض المقاومة بقوله: "أنا ضد المقاومة علناً".

ونقل موقع "قضايا مركزية" العبري عن إسرائيليين التقوا عباس برام الله الشهر الجاري، أن الأخير أبلغهم أنه يعقد لقاءات مع رئيس الشاباك "نداف أرغمان" لغايات التنسيق الأمني.

وسبق أن تنازل عباس عن حقه بالعيش في مدينته التي هجر منها صفد المحتلة.

واتخذ عباس إجراءات عقابية ضد قطاع غزة وصفها بأنها غير مسبوقة، شملت الخصم وقطع رواتب موظفي السلطة في القطاع دون الضفة الغربية، ومست مجالات حيوية كالصحة والكهرباء وغيرها.

ويرفض عباس صرف رواتب الموظفين الذين عينتهم الحكومة السابقة برئاسة إسماعيل هنية في القطاع.

كما يرفض عقد الإطار القيادي المؤقت لمنظمة التحرير، وخروجاً عن تفاهمات واتفاقات المصالحة، عقد مجالس منظمة التحرير بشكل انفصالي في رام الله المحتلة بعيداً عن الإجماع الوطني، منها اجتماع في نهاية أبريل/ نيسان 2018، وآخر شهر أغسطس/آب المنصرم، لم تشارك فيه حركتا حماس والجهاد الإسلامي والجبهتان الشعبية والديمقراطية والمبادرة الوطنية الفلسطينية، وغيرهم.

كما شهد عهد عباس فصل القيادي في فتح محمد دحلان من الحركة، وتلاه فصل قطاع عريض من كوادر الحركة بتهمة الولاء للأخير.

"أوسلو آخر"

وراهن عباس على إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، وأعلن استعداده للعمل مع فريق الأخير لتحقيق "صفقة القرن"، قائلاً خلال لقاء جمعهما: "سعيد جداً أن أكون هنا مع الرئيس ترامب وأشكره شكراً جزيلاً على إتاحة الفرصة لكي نلتقي، وإن دل هذا على شيء إنما يدل على جدية الرئيس أنه سيأتي بصفقة العصر للشرق الأوسط خلال العام أو الأيام القادمة".

وفي السادس من ديسمبر/ كانون الأول 2017، أعلن ترامب اعترافه بالقدس المحتلة "عاصمة" مزعومة لكيان الاحتلال.

من جهته، يقول المحلل السياسي هاني حبيب، إن اتفاق أوسلو (الذي يوصف عباس بأنه مهندسه) هو الثغرة الأساسية التي صعبت إمكانية الوصول إلى ميزان قوى نسبي لصالح القضية الفلسطينية، وأبقى الوضع الفلسطيني "في متاهة حقيقية".

ويضيف حبيب لصحيفة "فلسطين"، أن التداعيات الخاصة بهذا الاتفاق هي التي جعلت الوضع الفلسطيني يصل إلى ما وصل إليه الآن.

ويشير إلى أن سلطات الاحتلال تراجعت عن "أوسلو" ولم تنفذه على الإطلاق، لافتاً إلى أن مفاوضي منظمة التحرير كانوا فاشلين تماماً فيه، من حيث إيجاد ضمانات دولية لإجبار (إسرائيل) على المضي قدماً في تنفيذ هذا الاتفاق "الشائن والمشين بحد ذاته".

لكن مع ذلك، والكلام لا يزال لحبيب، عقدت مفاوضات بين السلطة و(إسرائيل) خصوصاً بين عباس ورئيس حكومة الاحتلال الأسبق إيهود أولمرت، لم تفضِ إلى شيء.

ويتمم بأن الرهان على عملية المفاوضات دون أن يكون هناك ميزان قوى حقيقي لصالح القضية الفلسطينية "من شأنه أن يؤدي إلى أوسلو آخر".