​مجدي السطري.. مَثّل دور الشهيد فباغتته رصاصة

غزة - هدى الدلو

ذهب هو ومجموعة من أصدقائه إلى أرض خالية مسيجة بسلك يشبه ذلك الشائك شرقي القطاع والذي يحرمهم من الوصول إلى أراضي أجدادهم وقراهم، ليؤدوا مشاهد تمثيلية تحاكي الوضع القائم على الشريط الحدودي، وعندما سألهم من سيؤدي دور الشهيد، سكت جميعهم، وبكل قوة رد "أنا من سيتقمص دوره، ولكن لا تنسوا أن توشحوني بعلم فلسطين، ومن ثم تضعوني على لوح خشبي وتودعوني كما يفعل للشهداء"، فعل ذلك وهو مبتسم كما كان يرى الشهداء في وداعهم وزفتهم الأخيرة.

الطفل مجدي رمزي السطري (11 عامًا)، جسد قبل أسبوع مشهدًا تمثيليًّا مثل فيه دور الشهيد، وما هي أيام حتى كان هو ذاك الشهيد حينما باغتته رصاصة غادرة في رأسه، بينما كان يحاول رفع علم وطنه السليب في وجه جنود الاحتلال المتمركزين على السياج العازل، ليرتقي مساء جمعة "أطفالنا الشهداء" في 27 يوليو/ تموز.

استشهد مجدي وبقى مجهول الهوية لساعات دون أن يعلم أحدٌ به. والدته، صاحبة القلب المكلوم كانت في زيارة لبيت أخيها في تلك الجمعة، بدا قلبها في ساعات المساء منقبضًا وكأن شيئًا سيحدث وقد حدث بالفعل.. حالة من الارتباك والوجوب سرت على وجه زوجة أخيها بعد أن باغتها اتصال يخبرها بأن مجدي قد استشهد.

لم تنتظر والدة مجدي كثيراً حتى بادرت بالسؤال عما جرى؟ كررت السؤال مرة أخرى وأتبعته بآخر: "ابني متصاوب؟!"، قيل لها نعم إنه قد أصيب ولكنها لم تصدق إذ لم تبدُ التعابير التي سرت على وجوه من حولها أنها الحقيقة، أخبروها أن (مجدي) قد استشهد... وقفت للحظات وكأن رصاصًا مصهورًا صب في أذنيها فلم تسمع، وعقلها لم يعد يستوعب ما قيل لها.

مجدي هو الطفل الثاني لأمه، وله من المعزة ما لها في نفسه بحضوره وشخصيته التي بدت دوماً أكبر من عمره، تقول والدة الشهيد، مضيفة "يكفي بريق أسنانه التي تزينها ضحكته على الدوام ولا تفارق وجهه".

أما عن ولعه في الحياة التي عاشها، فلا تسأل فقد كانت كرة القدم جزءًا من حياته كما السباحة.

وأردفت والدته القول: "عرف مجدي بشجاعته بين أصدقائه، كانت لديه بذرة حب الوطن التي غرست بداخله، محب للجهاد والدفاع عن الأرض والعرض، يحب تقليد الشباب الثائرة الغيورة على أرضها".

مرات كان يضمن "مجدي" انشغال والديه ليذهب للمشاركة في المسيرات الشعبية السلمية بصحبة أصدقائه، وفي أخرى كان يستجدي الموافقة ليقنع أمه قبل الذهاب إلى السياج العازل شرقي محافظة رفح، ليس هذا فحسب وإنما يعدها بالعودة سالمًا غانمًا والابتعاد عن نقاط التماس "وفي أخرى كنت أمنعه بالقوة خوفاً عليه خاصة في أوقات التصعيد، هكذا كان حال مجدي منذ بدء مسيرات العودة"، تتابع الأم.

ومضت تقول: "لم أكن أعلم أنه شارك في مسيرات جمعة استشهاده، كان في المسجد القريب من البيت صلاة جنازة واعتقدت أنه ذهب للمشاركة بها، وفيما بعد أخبروني أنه صعد في الباص الذي ينقل المشاركين في المسيرة".

انسابت دموعها على وجنتيها وهي تستذكر تبريرات مجدي، فلطالما حدثها بأن مشاركته في المسيرات التي انطلقت في الذكرى الـ41 ليوم الأرض في 30 مارس/ آذار الماضي، هي للمطالبة بحقوقه، كيف لا وهو الذي يعشق بحراً حرمه الاحتلال منه، ذلك الاحتلال الذي يتمركز جنوده خلف كثبان رملية يرمون الفتية بالرصاص.

تقول جدته: "في الجمعة الأخيرة جاء يبحث عن أخيه في بيتي ولم يجده، ولكنه بدا عليه الاستعجال وكأنما ينتظره أحد، وفي أثناء وجوده هناك مع أصدقائه قال له أحدهم: "يلا نروح بكفي، فرد عليه: "أنا بديش أروح بدي استشهد أو أتصاوب"، مشيرة إلى أن مجدي كان يحب تقليد أفعال الشباب، وتعجبه مشاهد إشعال الإطارات والبالونات إنهم "كف تناطح مخرزًا".