مجلس الشهداء الوطني وحده يمثلني

جبريل عودة
السبت ٢٨ ٠٤ / ٢٠١٨

وحده يمثلني من يبذل روحه في ميادين الفداء ولا ينتظر منة من أحد ولا شكورًا, وحده يمثلني من يكتب لنا النصر بدمائه وأشلائه ويغادرنا مبتسمًا, وحده يمثلني من تتوحد خلف وجهه المزين بالدماء جماهير الشعب وتركض وراء جنازته أفرادًا وجماعات, وحده يمثلني من يواجه الرصاص ولا يتراجع, من تصب عليه حمم الطائرات ولا يرتد على عقبيه, وعيون بارودته نحو القدس شاخصة, وحدهم الشهداء ممثلو القضية والشعب بلا منافس, وحدهم الشهداء رايات الوطن التي لا تُنكس, وحدهم الشهداء سياج قضيتنا الذي لا يخترق, وحدهم الشهداء ميراثنا الذي لا نفرط فيه ونوزعه قسمة حق لا ظلم فيها ولا تمييز, وحدهم الشهداء الرصيد الوطني الذي لا ينضب والحظ الوافر لأمة التضحية, فلن يضيع الله (عز وجل) تلك الدماء الطاهرة, وسيكتب لها في الدارين نصرًا وعزة.


يسارع كهنة المنظمة إلى عقد المجلس الوطني خارج الإجماع الوطني الفلسطيني, في وصفة تدميرية لما تبقى من أمل لتوحيد الصف الفلسطيني, فمن يصر على عقد المجلس الوطني بهذه الطريقة لا تعنيه _بكل تأكيد_ الوحدة الفلسطينية، بل تتقدم عليها المصالحة الحزبية الضيقة في التفرد والإقصاء, وكان الأجدر بعد سنوات التيه الأوسلوي والانقسام البغيض أن يجتمع الكل الفلسطيني, من أجل تلمس طريق النور نحو الخلاص من عتمة التسوية، وظلمة التبعية للمبادرات العبثية, ولن يكون ذلك إلا بصياغة الرؤية الوطنية الجامعة, التي تحفظ فلسطين من الضياع، وتحميها بالجدار المقاوم من نهش الضباع الصهيوأمريكية، وخيانة النعاج الصامتة في المعلف الترامبي الآمن, فلماذا هذا الإصرار على عقد المجلس الوطني على مقاسات الزمن الأوسلوي المنقرض حكمًا أمام عظمة الشباب الفلسطينيين الثائرين وتضحياته في القدس ورام الله وغزة؟!, ولمصلحة من الحرص على الفرقة والشرذمة وزيادة الفجوة الوطنية؟!، فلم يعد الأمر محصورًا في مقاطعة فصيل بعينه لذلك الاجتماع, بل أصبحت مقاطعة وطنية واسعة تشمل قطاعات عديدة ومعتبرة في الشعب الفلسطيني.


الحرص على عقد اجتماع المجلس الوطني في الثلاثين من أبريل الحالي بهذه التركيبة رسالة بأن المجلس الجديد سيكون حصريًّا لمن يؤمن أو يعترف بأحقية للكيان العبري في الوجود على أرض فلسطين, استكمالًا لمسيرة شطب الميثاق الوطني, والحرص على استمرارية التنسيق الأمني, والتمسك بالمسار التفاوضي العبثي, واللهث خلف المبادرات التي تنتقص من الحق الفلسطيني, ليعطينا هذا المشهد حقيقة واحدة: أن أوسلو هي أول الانقسام الفلسطيني, ومن يتسلح بأوسلو ومنهجها السياسي في قيادة الشعب الفلسطيني الثائر إنما يغتصب تلك الصفة التمثيلية بلا جدارة وبلا حق في ذلك, ولا نغفل أبدًا عن الحقيقة السياسية التي تقول إن هذا النهج السياسي قد هُزم في انتخابات عامة شر هزيمة, فلماذا يلوذ بعضٌ بحصن أوسلو المتهاوي، ويغفل عن قلاع الصمود والتحدي والإصرار التي يشيدها شعب التضحيات والبطولة في كل المدن والقرى الفلسطينية, التي تقاوم هذا المحتل بالعناد الفلسطيني, ويكفيها فخرًا أنها لم تمنح المحتل اعترافًا ولو على شبر واحد من أرض فلسطين؟!


المجلس الإقصائي المرتقب في رام الله لن يمثل الشعب الفلسطيني قولًا واحدًا, بعد حملة الاعتراض والمقاطعة من الوطنيين والأحرار, وعمليات الإقصاء الممنهجة للمعارضين من داخل أطر وهيئات المنظمة, ليفرز على الساحة الفلسطينية كيان لا ينتمي إلا شكلًا إلى فلسطين والقضية, ولما كانت تركيبته المرتقبة تنتمي إلى العقلية السياسية العباسية فإن أداءه السياسي سيكون تسولًا لمبادرات التسوية, ليتماهى مع معروضات ترامب (صفقة القرن), ما يشكل كارثة وطنية تعرض الحقوق الفلسطينية للخطر, وكان الأجدر لمواجهة المخاطر التي تحدق بالقضية الفلسطينية أن يعقد هذا المجلس ليكون مجلس إنقاذ وطني يرمي إلى تصحيح المسار السياسي, وصولًا إلى رؤية سياسية وطنية تحظى بالقبول والإجماع الشعبي والفصائلي, تحفظ الحقوق والثوابت وتؤسس لمعركة التحرير بكل الأدوات والوسائل الثورية النضالية.


كل هذه الاعتراضات والمقاطعات لجلسة المجلس الوطني لن تردع منظميه، ولن تجبرهم على التراجع عن المسير إلى هدفهم المنشود, بإنتاج المجلس الانقلابي الذي سيستمر في خطف القضية الفلسطينية سنوات وسنوات, وأمام هذا الصلف، والتكبر الفرعوني، وادعاء الحرص على المصلحة الوطنية العليا, وتزيين هذا العمل الإقصائي بشعارات وطنية براقة؛ لن يكون هناك سبيل إلا التمايز بين المسارين (التسوية, والمقاومة), وعلى أنصار المسار الوطني المقاوم التداعي لتشكيل جبهة وطنية لا تكون بديلًا عن أحد، ولا تنازع أي مؤسسة في ادعاء التمثيل, بل تسعى في مهمتها الإستراتيجية والرئيسة إلى حفظ الحقوق الوطنية، والدفاع عن شعبنا وأرضنا أمام العدوان، وإحباط المؤامرات السياسية الرامية إلى طمس القضية وتصفيتها, وإظهار الحق الفلسطيني بوضوح لا يقبل النقصان أو التشويه, فليس أمامنا إلا طريق الثورة بإشعال المقاومة والانتفاضة الشعبية في الأرض الفلسطينية، هذا هو الكفيل بإعادة الاعتبار لقضية فلسطين، وتعجيل الخلاص من الاحتلال ودحره عن أرضنا ومقدساتنا.

مواضيع متعلقة: