​من يحقِّق أمنيتها الوحيدة؟!

من ألم الإصابة إلى وجع النظرة المجتمعية.. "هداية" تنبض بالتحدي منذ 23 سنة

أمنيتها أن تجري عملية زراعة وجه بالكامل
غزة/ يحيى اليعقوبي:

في أحد جنبات مدرستها تجلس هداية الأسطل وحيدة.. كانت في الصف الخامس الابتدائي، فهذا المكان الوحيد الذي تستطيع الهرب منه من كلام زميلاتها الجارح.. "يا صلعاء، قردة، ليش شكلك هيك" لم تكن تملك سوى دموع تسيل من عينيها لترد عليهم، إلا أن هذه المرة كانت مختلفة على استحياء جاءها ثلاث طفلات لا تزال تحفظ أسماءهن "دعاء، وإيناس، وبدور" هن أول ثلاث صديقات لها في الحياة.

بكل هدوء اقتربن وجلسن بجانبها، خشيت أن تسمع نفس الكلام السابق، لكن ما صدر منهن كان مختلفًا: "ممكن نصير أصحاب" حينها لم تسع الفرحة قلبها، غمرتها السعادة، لأول مرة شعرت أنها ليست غريبة وذهبت معهن تجري وتلعب، وتدور وتفرد ذراعيها تريد احتضان الحياة، لقد أبكتها الفرحة أيضًا في هذه المرة، لأن نظرة المجتمع كانت قاسية عليها منذ لحظة حرقها.

القصة.. قبل ثلاثة وعشرين عاما، كان على هداية محمود الأسطل (25 عاما) من محافظة خان يونس التي لم تتجاوز من العمر ثلاثة أعوام، أن تعيش حدثا مأساويا ظل يرافقها طيلة حياتها، احترق منزلها بفعل اشتعال مصباح الإضاءة بعد وضع صاحب محل التعبئة بنزينا في المصباح بدلا من الكاز وبمجرد أن أشعلت والدتها المصباح للإنارة (كانوا بسبب الفقر ليس لديهم خطوط كهرباء) وأوقدت الفتيل حتى انفجر المصباح مما نشب حريقا في البيت والتهمت النيران جسدها الصغير.

طفولة مختلفة

تدخلت فرق الإطفاء والإنقاذ حتى أخمدت النيران وانتهى المشهد هكذا: خرجت الطفلة مصابة بحروق عميقة من الدرجة الثالثة والرابعة نتج عنه تشويه بالوجه وكل الجسم، وعدم حركة اليدين والقدمين وعدم قدرة على فتح الفم، أو إغماض العينين، حالة ليست بشلل لكنها أصعب منه، ليست موت ولكنها مثل موت بطيء، لم تبتر ولكن كانت تتألم وتنزف دمًا حتى وهي واقفة أو جالسة.

شاءت الأقدار والظروف أن تعيش هداية طفولة مختلفة عن مثيلاتها وحياة مختلفة عن باقي البشر، تواجه نظرة المجتمع بل وتحاربها، تتمنى أن ينظروا إلى قلبها وروحها وليس إلى شكلها، تريد أن تعامل كإنسانة تستحق الحياة والمعاملة باحترام.

خرجت تلك الطفلة بعد ثلاثة شهور من العلاج في مستشفى الشفاء، لتبدأ رحلتها في تحدي الحياة والتكيف مع الإعاقة والحروق التي ألمت بها، كل شيء كان لدى هداية مختلف عن غيرها، لا تستطيع النطق إلا بصعوبة، عيناها مفتوحتان صباحا ومساءً لا يمكن اغماضها، لا تستطيع الاستدارة برقبتها يمينا ويسارًا، تأكل الطعام ببطء.. وهكذا مرت أيام طفولتها.

"حينما كنت أستقل السيارة كان الركاب ينزلون خوفًا مني، أحيانا يرفض السائقون نقلي للمشفى بسبب شكلي، في المتنزهات عندما كنت ألعب مع الأطفال كنت أسمع في مرات مختلفة أحد الوالدين يأتي ويقول لابنه: "لا تلعبوا مع هذه الطفلة" كان شيئًا مؤلمًا جدًا.. لم أجد أحدا يتقرب مني إلا القليل من الناس كصديقاتي "دعاء وإيناس وبدور" وعائلتي.

أمام هذا الوضع نقلتها العائلة إلى مستشفى فلسطين في مصر لإجراء عشرات العمليات، مكثت هناك في الفترة ما بين عامي (1995-2006) وكانت تأتي زيارات لغزة خلالها كانت تذهب للمدرسة، حتى حطت رحال عمرها عند الثانية عشرة عامًا، وعندها نجحت عمليات إزالة الشد الجلدي واستطاعت المشي بشكل طبيعي لأول مرة، تتوقف هنا في كلامها: "كنت أفرح كثيرا عندما يجرون لي عملية تعالج مشكلة كنت أعاني منها، وما أكثر المشكلات فلم أستطع حتى رفع يدي للأعلى، بعدها أجريت عمليات ناجحة وأصبحت أغمض عيني وأدير رقبتي وأفتح فمي (..) في كل عام كنت أجري نحو 25 عملية جراحية".

تحدّي المجتمع

"الأهل" كانوا الطاقة والسر في قصة هداية، لم يكن دورهم عاديا في إخراجها من الحالة التي تعيشها، هذا المعاملة كانت أجمل شيء في حياة هداية، بنبرة صوت مبتسمة تقول: "أمي وعائلتي كانوا يعطوني دفعة قوية للحياة وبأن الشكل ليس مهما، كانت أمي تطلب مني الخروج والتمتع بالحياة ومواجهة الناس بوجهي بلا خجل ولا خوف، وهذا ما عزز ثقتي بنفسي، يوميا كانت أمي تخرجني من البيت في كل زياراتها الاجتماعية على الأقارب والرحلات العائلية، تعاملني بشكل مميز".

منذ أشهر، تمكث هداية على نفقة متبرعين في مستشفيات مدينة نابلس بالضفة الغربية تجري جلسات علاج طبيعي لمنطقة الوجه وجلسات تشريح، تتمنى أن ينظر المجتمع لأي إنسان مريض أو من ذوي الاعاقة بشكل طبيعي حتى يعزز من نفسيته.

وتقول إن أمنيتها أن تجري عملية زراعة وجه بالكامل، وقد تواصل الطبيب الذي أراجع عنده في نابلس مع بروفيسور إسرائيلي وأخبرهم بإمكانية إجراء العملية بأجهزة متطورة بإحدى مستشفيات (تل أبيب) لكنها تحتاج لمبلغ 15 ألف دولار" فمن يحقق حلم هداية؟.