من النهر إلى البحر

محمد نور الدين
الأحد ٠٧ ٠١ / ٢٠١٨

تصويت حزب الليكود «الإسرائيلي» على ضم الضفة الغربية إلى «إسرائيل» خطوة لا تحتاج إلى استهجان، وتدل على نية «إسرائيل» المزمنة على توسيع حدودها، غير المحددة في الأساس.

تعتمد «إسرائيل» منذ احتلال الأراضي العربية عام 1967 على استراتيجية الترويض التدريجي للأراضي المحتلة في الجولان وسيناء والقضم التدريجي للأراضي الفلسطينية نظرًا لعدم قدرتها القيام بخطوات كبيرة دفعة واحدة لأسباب سكانية ونفسية.

بعد هزيمة 1967 كان التركيز «الإسرائيلي» على أرض فلسطين التاريخية أو المعروفة بفلسطين من النهر إلى البحر، فيما تعاملت بالمفرق مع مصر وسوريا والأردن.

اتبعت مع مصر استراتيجية إخراجها من الصراع عبر إعادة سيناء إلى مصر لكن بشروط قاسية. حتى عندما تزايدت هجمات الإرهابيين على الجيش المصري في سيناء في الأعوام الأخيرة ما كان باستطاعة مصر إرسال تعزيزات عسكرية إضافية إلى سيناء تتجاوز العدد المنصوص عليه في اتفاقية كامب ديفيد.

ومع الأردن الذي لم تكن «إسرائيل» احتلت أيا من أراضيه في عام 1967 تم توقيع «اتفاقية وادي عربة» ليؤمن أمن الحدود الشرقية لـ«إسرائيل». وفي الجولان عملت «إسرائيل» لأسباب أمنية إلى اعتباره جزءًا من أرض «إسرائيل» وهو ما كان يعقّد التوصل لحل مع دمشق.

قامت «إسرائيل» بتأمين محيطها العربي وتحولت إلى تهويد ما تبقى من فلسطين. الجدار العنصري الفاصل كان مرحلة مؤقتة من حماية الأمن «الإسرائيلي» لكنه لم يكن يومًا حدودًا نهائية لدويلة الاحتلال، وكما بنته يمكن لها أن تزيله، فهو كان منطلقًا لمحطة لاحقة عنوانها تهويد كامل الضفة الغربية وتوفير الظروف التي تمنع إقامة أي نوع من أنواع الدولة الفلسطينية وتحويل الفلسطينيين الذين هناك إلى مجرد جالية في «إسرائيل الكبرى» الممتدة من النهر إلى البحر.

وهذا المشروع لا يقتصر تنفيذه على دويلة الاحتلال بل إن واشنطن شريك مباشر فيه. إذ تبقى «إسرائيل» بحاجة إلى حماية وتغطية قوة كبرى. ورغم أن الخطط لمشروع إقامة دويلة «إسرائيل» بدأت منذ ثلاثينات القرن التاسع عشر فإن البداية الفعلية كانت مع توفير غطاءات قانونية دولية له تمثلت حينها بوعد بلفور عام 1917 ومن ثم تغطية الأمم المتحدة له عام 1948.

اليوم تقوم الولايات المتحدة بهذا الدور مع قرار الرئيس الأمريكي دونالد ترامب الاعتراف بالقدس على أنها عاصمة ل«إسرائيل» من أجل كسر الحاجز النفسي أمام الواقع الجديد. لكن الخطوات الاستعمارية لتهويد أرض الضفة يبدو أنها تسير بخطى سريعة جدا. فحزب الليكود الذي قال بالضفة جزءًا من «إسرائيل» إنما يمهد لقرار لاحق من الكنيست في هذا الاتجاه.

والكنيست نفسه اتخذ قرارًا قبل أيام يلزم الحكومة بعدم الدخول في أية مفاوضات تغير من وضع القدس كعاصمة موحدة وأبدية لـ«إسرائيل». ولينتظر الكنيست التوقيت اللازم والذي لن يكون بعيدًا جدًا لاعتبار الضفة الغربية جزءًا من أرض «إسرائيل».

تتشجع «إسرائيل» في كل هذه الخطوات بعاملين اثنين. الأول هو النهج الذي تتبعه السلطة الفلسطينية التي رفعت غصن الزيتون تجاه دولة- مشروع مسلّح بأحدث الأسلحة الفتاكة ومع كل يوم يمر ترى هذه السلطة الأرض تضيع شبرًا وراء شبر من دون إعادة النظر باستراتيجية غصن الزيتون التي دفعت ترامب للمضي في قرار إعلان القدس عاصمة لـ«إسرائيل».

والعامل الثاني هو انقسام العرب وغيابهم عن التأثير الفاعل في الساحة الإقليمية والدولية. فسنوات ما سمي بـ«الربيع العربي» كان كارثة اجتماعية وسياسية ونفسية على العرب استفاد منها العدو ليسرع في استكمال مشروعه الاستعماري.

شكا العرب والمسلمون بمليارهم ونصف المليار نسمة، والقمم التي عقدوها اتخذت قرارات متواضعة علمًا أنه حتى ولو كانت القرارات عالية السقف فإن العبرة تبقى في التنفيذ.

لا يُحسد الفلسطينيون على ما هم عليه ولا يشرّف العرب ما هم عليه. ولا يُعرف بعد كيفية الخروج من هذا النفق العربي والفلسطيني الطويل الذي يحتاج إلى الكثير من الجهد والتفكير حتى لا تضيع كل فلسطين ومن النهر إلى البحر.