​مصابون في مسيرات العودة مصرّون على المشاركة مجددًا حتى لو كلفتهم حياتهم

جرحى يعاودون المشاركة في مسيرات العودة (تصوير / محمود أبو حصيرة)
غزة - أدهم الشريف

ينام يوسف أبو السعود على أحد أسرَّة العلاج في مجمع الشفاء الطبي (أكبر مستشفيات قطاع غزة)، ولا يقدر على الحركة، فالضمادات البيضاء تغطي ساقيه المصابتين برصاصة قناص إسرائيلي.

وهذا الشاب البالغ (23 عامًا)، واحد من قرابة 18 ألف جريح أصيبوا برصاص وغازات جيش الاحتلال خلال مشاركتهم في مسيرات العودة وكسر الحصار الممتدة منذ 30 مارس/ آذار الماضي وفق ما ذكر الناطق باسم وزارة الصحة في غزة أشرف القدرة.

لكن أبو السعود رغم ما ألحقت به رصاصة متفجرة أصابت ساقيه وألزمته أَسِرَّة العلاج يبدو في غاية الإصرار على المشاركة مجددًا في المسيرات السلمية تعبيرًا عن تمسكه بحق العودة إلى بلدة أبو شوشة، قضاء الرملة في الأراضي المحتلة عام 1948، التي هُجِّر منها أهله قسرًا قبل 70 سنة مضت.

يقول: إن السنوات الطويلة التي مرت على تهجير أجدادي، والقمع الإسرائيلي للمدنيين المشاركين في المسيرات السلمية لن يدفعني للتنازل عن حق العودة إلى أراضينا المحتلة.

ولأجل هذا، كان أبو السعود ينطلق من حي الشيخ رضوان شمالي مدينة غزة، ويسلك طريقًا طويلًا حتى وصول مخيمات العودة في شرق المدينة والمعروفة بمنطقة "ملكة".

ولا يبدو على الشاب ذي البشرة السمراء أي مبالاة للإصابات التي تعرض لها سابقًا في إثر استخدام الرصاص المحرم دوليًّا ضد المتظاهرين.

ويقول إنه سيعود للمشاركة في المسيرات حتى لو كلفه الأمر حياته هذه المرة.. "في كل مرة أقترب من السياج ولا أخشى الرصاص".

وكان أبو السعود أول المصابين بالرصاص في موقع ملكة في الجمعة الـ20 لمسيرات العودة التي حملت مسمى "الحرية والحياة"، ونجح المسعفون في نقله فور إصابته إلى المستشفى لتلقي العلاج، كما يقول لـ"فلسطين".

وفي اليوم ذاته، استشهد 3 غزِّيين بينهم مسعف، وأصيب أكثر من 307 آخرين بجروح مختلفة، بحسب مصادر طبية.

ويستخدم جنود الاحتلال تلالًا رملية عالية تقع خلف السياج الفاصل بين قطاع غزة والأراضي المحتلة، يطلّون بأسلحة القناصة من ورائها ويستخدمون القوة المميتة في قمع المتظاهرين.

غير أن هذا لا يرهب نور الدين الجملة (19 عامًا)، الذي أصيب أيضًا في الجمعة الأخيرة لمسيرات العودة، برصاصة متفجرة تحت مفصل الركبة كادت أن تذهب بساقه.

"كنت أتقدم المتظاهرين نحو السياج الفاصل، وفجأة أصابتني رصاصة قناص" يقول الجملة لـ"فلسطين".

ويتساءل: كيف يطلق الجيش الرصاص المتفجر صوب مواطنين عزّل، من الرجال والنساء والأطفال، وهم لا يشكلون أي خطر على جنود الاحتلال المدججين بأحدث أنواع الأسلحة، وتحميهم الآليات العسكرية والدبابات؟

وهو ما يثير استغراب محمد ياسين (28 عامًا)، المصاب في يديه برصاصة متفجرة، جعلته حبيس سرير العلاج في مجمع الشفاء.

ولا يستطيع ياسين تحريك أصابع اليد اليمنى المغلفة بالضمادات البيضاء، إلا باستخدام أصابع اليد اليسرى التي تظهر من تحت الضمادات أيضًا.

ويقول: إن الأطباء أوصوا بضرورة تحويله إلى خارج قطاع غزة بعدما أصابت رصاصة متفجرة يده اليسرى وتفجرت بعدما أصابت الطلقة ذاتها اليد اليمنى للمصاب ياسين.

ويذكر جيدًا أين كان في 30 يوليو/ تموز الماضي، من السياج الفاصل الذي يطلق جيش الاحتلال الرصاص على كل من يحاول الاقتراب منه.

ويقول إنه كان بعيدًا عن السياج، موجودًا في موقع ملكة للمشاركة سلميًّا في مسيرات العودة.

"لكن النتيجة كما ترى" يضيف ياسين وهو يرفع يديه أمام مراسل "فلسطين"، في وقت كانت والدته إلى جانبه تتأوه ألمًا على نجلها.

وبقدر الآلام التي ألحقها جيش الاحتلال بالجريح ياسين، إلا أن ثمة شيئًا يزيده قوة وصبرًا، إذ فاجأ المخاض زوجته في الساعة ذاتها التي خضع فيها للعمليات الجراحية بعد إصابته، قبل أن يبصر نجله يوسف الحياة داخل المستشفى الذي يرقد الأب على أحد أسِرَّته لتلقي العلاج.

وخفف ميلاد يوسف الشقيق لـ(إسماعيل وأيمن)، من آلام والدتهم نداء، التي انفطر قلبها على زوجها بفعل الإصابة.

ورغم ذلك، يقول ياسين إنه سيعود إلى المشاركة مجددًا للمطالبة بحق العودة، ورفض القرار الأمريكي الاعتراف بالقدس عاصمة لـ(إسرائيل).