​مسيرة العودة.. درسٌ عمليٌ للأطفال

غزة - صفاء عاشور

لم يعد تعريف الأطفال بقراهم ومدنهم التي هُجر منها أجدادهم وآباؤهم مقتصرا على أحاديث الكبار وبعض الكتب التي تسرد تاريخ تلك الأراضي المحتلة، فأطفال الجيل الحالي يعيشون أيامًا لم يعشها من سبقهم، إذ أصبحت المنطقة القريبة من السياج الحدودي في المناطق الشرقية لقطاع غزة مع الأراضي المحتلة المكان الأهم والأبرز لتعريفهم بأرضهم، بطريقة عملية لا تُمحى من الذاكرة بمرور السنوات، فالحدود الشرقية أصبحت المزار الأول لمعظم أهالي القطاع، الذين يتوجهون إليها بشكل يومي، للمشاركة في مسيرة العودة الكبرى وكسر الحصار، ومن هناك يمكنهم مشاهدة الأراضي المحتلة عن قرب..

ربطهم بالوطن

"نهيل الخالدي"، أم لطفلين في الصفين الثالث والرابع الابتدائيين، لم تتوانَ عن اصطحابهما للمشاركة في مسيرة العودة الكبرى، ولم تسمح للخوف عليهما بأن يجعلها تتردد أو تفكر في الأمر كثيرا، لقناعتها بأن وجودهما في منطقة الحدود ضمن المسيرة من شأنه أن ينمّي فيهما روح الوطنية تجاه بلدتهما التي لم يرياها حتى الآن.

وقالت لـ"فلسطين": "البلدة الأصلية التي ينحدر منها ابناي هي (كرتيا)، وكان لديهما معلومات قليلة عنها، إلا أن مشاركتهما في مسيرة العودة زادت من أسئلتهما المتعلقة بهذه القرية وبغيرها من القرى والمدن الفلسطينية المحتلة".

وأضافت: "مشاركة أطفالي في هذه الفعالية أمر في غاية الأهمية، وأنا ألمس النتائج، والتي تظهر من خلال أسئلتهما المتزايدة عن الأراضي المحتلة، واهتمامهما الشديد بالأمر، والذي لا يكون أثناء المشاركة في المسيرة فقط، بل يطرحان الأسئلة في كل وقت".

وتابعت: "وجود الأطفال في المنطقة القريبة من السياج الفاصل يلغي لديهم أي خوف من جنود الاحتلال، وفي ذلك مكسب حقيقي، حيث ينشأ جيل قوي قادر على استرجاع كافة الأراضي المحتلة.

الصغير قبل الكبير

من جانبه، أوضح أسامة عبد العال من بلدة "جسير" أنه لم يتوانَ عن المشاركة هو وطفلته الوحيدة ذات الأعوام الثلاثة عن مسيرة العودة الكبرى، مؤكداً أنه سواء استمرت هذه المسيرة أو انتهت فإنها ستترك بلا شك ذكرى في عقلها.

وقال لـ"فلسطين": "صغر عمر طفلتي جمانة ليس مبرراً لعدم مشاركتها، فطالما تستطيع الحديث فهي بالتأكيد قادرة على طرح الأسئلة التي ستكون عن مسيرة العودة والرجوع إلى بلدة جسير الموجودة بعد السياج الفاصل حسب ما أقول لها".

وأضاف عبد العال: "ليس من السهل توضيح الأمر لطفلة بعمر الثلاث سنوات، إلا أن وجودها في تلك المنطقة ومشاهدة الناس يساهم في تشكيل وعيها، خاصة مع خطابات التحفيز والوطنية التي ألقيها عليها ونحن في المكان".

ولفت إلى أنه يلتقط الكثير من الصور لتوثيق مشاركته وابنته في المسيرة، لتبقى ذكرى قوية لطفلته، التي في حال نسيت بعض التفاصيل، فإن هذه الصور ستذكرها دائماً بأنها كانت بين المشاركين في أكبر وأهم الفعاليات الوحدوية التي جرت في قطاع غزة.

تعلم الوحدة

من جانبها، قالت شيرين أبو نحل إن مشاركة أبنائها مع كافة أفراد العائلة والجيران وباقي المعارف عززت من معنى الوحدة والترابط لديهم، وهو ما علمهم الشجاعة وعدم الخوف من أي شيء.

وأضافت لـ"فلسطين": "نحن في الأصل من (بربرة)، ومن حق أطفالي أن يعرفوا من هو عدوهم الذي حرمهم من العيش في تلك القرية والتنعم بخيراتها".

ولفتت إلى أن وجود الأطفال ومشاركتهم في مسيرة العودة يدفعهم لطرح الكثير من الأسئلة والاستفسارات حول (بربرة)، وغيرها من القرى والمدن المحتلة.

وأوضحت: "ارتباط الأطفال بحق العودة يزيد مع كل شهيد يسقط أثناء مشاركته في مسيرة العودة، وتتأثر نفسيتهم ويزيد وعيهم عندما يرون الشباب يفدون الوطن بأرواحهم".

وبينت: "أجمل ما تعلمه أبنائي في المسيرة هو كيفية الدفاع عن الحق وإبرازه بدون استخدام أي سلاح، معبرة عن قناعتها بأن "سلمية المسيرة كان لها تأثير كبير على الصغير والكبير، وهي دليل على أن أبسط الطرق يمكن أن تجعل العالم كله يلتفت لهذا الشعب المظلوم منذ أكثر من 70 سنة".

ولا تزال فعاليات مسيرة العودة الكبرى مستمرة للأسبوع الثالث على التوالي، حيث بدأت مع ذكرى يوم الأرض في الثلاثين من مارس الماضي ومن المقرر أن تستمر حتى ذكرى النكبة الفلسطينية في منتصف مايو.