مسيرة العودة حُلم فلسطين وكابوس الاحتلال

عادل ياسين
السبت ٠٧ ٠٤ / ٢٠١٨

إن من يتابع الحراك الإسرائيلي بشأن مسيرة العودة وحجم انشغال القيادة السياسية والعسكرية والفكرية بها يدرك عمق الأزمة التي سببتها للكيان العبري, لاسيما أنهم خدعوا أنفسهم وظنوا أن طول السنين وسياسات القتل والاعتقال والتدمير والحصار ستكون كفيلة لثني الشعب الفلسطيني عن هدفه وحرفه عن مساره، لكنهم تناسوا أن من ذاق طعم الحرية وهو يتجول في شوارع غزة دون أن تعترضه حواجزهم اللعينة وتزعجه حملات اعتقالاتهم واقتحاماتهم الليلية, وذاق نشوة العزة وهو يرى أسود المقاومة تدوس على رقاب المحتل؛ لن يقبل العيش تحت بساطيره، وسيواصل احتضانه للمقاومة إلى أن يحقق هدفه، مهما طال الزمن وارتفع الثمن, هذه الحقيقة يدركها قادة الكيان، لكنهم لا يمتلكون الجرأة للاعتراف بها، ويسعون بكل ما أوتوا من قوة ودهاء لإفشالها أو تقليص أضرارها على كيانهم قدر الإمكان؛ فهم في حيرة بين تحديات متراكمة ومحاولات مجهولة النتائج.


التحديات:

أولًا: معضلة تعامل الاحتلال مع القانون الدولي وتبرير استخدامه القوة المفرطة أمام متظاهرين سلميين؛ فالقانون الدولي يعد التظاهر السلمي حقًّا مشروعًا، بل إنه يعد اجتياز الحدود مخالفة جنائية لا تستوجب استخدام القوة العسكرية, وهو ما ينطبق على المنظمين والمشاركين فيها، مهما كانت انتماءاتهم الأيديولوجية، وإن أقصى ما يمكنه القيام به هو استخدام وسائل مشروعة لتفريق التظاهرات.


ثانيًا: خشية الاحتلال اقتحام العشرات أو المئات الحدود دفعته إلى نشر آلاف الجنود والعديد من الوحدات الخاصة، وهو ما يمثل استنزافًا للقوات النظامية والأجهزة الأمنية، ما سيؤدي بطبيعة الحال إلى تعطيل خطة التدريبات السنوية، كما أشار إلى ذلك المحلل الإسرائيلي يوآف ليمور, وللتذكير إن السبب الرئيس لفشل الجيش الإسرائيلي خلال حرب لبنان الثانية هو عدم انتظام التدريبات.


ثالثًا: استمرار الاحتجاجات السلمية وإصرار الكيان العبري على التعامل معها بعنف سيضعانه أمام مهمة معقدة تتمثل في كيفية الحفاظ على صورته أمام الرأي العام الدولي، والتنصل من المسؤولية وإلقائها على حماس, مستغلًّا بذلك انسحابه من غزة عام 2005م، مع إدراك الجميع أنه انسحب وأطبق الحصار عليها أكثر وأكثر.


رابعًا: لا يقتصر القلق الإسرائيلي على كيفية التعامل مع الرأي العام الدولي، بل إنه يطال الرأي العام الإسرائيلي، إذ إنه أمام معضلتين: أولاهما إعادة ثقة مستوطني غلاف غزة بفعالية قوة الردع الإسرائيلية وقدرة المنظومة السياسية والعسكرية على توفير الأمن لهم, وإقناعهم بالبقاء، وذلك بنشر قوات خارج وداخل المستوطنات ومطالبتهم بحمل السلاح, وذلك بعد ظهور مؤشرات تزعزع الثقة بالأمن، خصوصًا بعد عمليات التسلل الأخيرة, أما المعضلة الثانية فهي الحفاظ على تماسك النسيج الاجتماعي وضمان تأييده لسياسة قيادته السياسية والعسكرية، وفي المقابل إسكات الأصوات المعارضة التي تطالب بالتعامل مع المتظاهرين السلميين حسب القانون الدولي، وطالبت برفض الخدمة العسكرية على حدود غزة.


خامسًا: عودة الصراع لمساره الطبيعي، وهو ما يعني إفشال مساعي الاحتلال لتقزيمه من صراع عربي إسرائيلي إلى صراع عربي فلسطيني، إن لم نقل صراعًا إسرائيليًّا مع تنظيمات المقاومة.


سادسًا: قابلية مدن الضفة والقدس للانفجار تعزز المخاوف من إمكانية محاكاة ما يحدث على حدود غزة وتطبيقه على حدود مستوطنات الضفة والطرق الرئيسة, وهو ما حذر منه زعيم الحزب اليهودي نفتالي بنت, فماذا لو شارك فلسطينيو الـ(48) ولاجئو الأردن ولبنان؟!


أمام هذه التحديات نرى أن الاحتلال يفتقر لاستراتيجية واضحة للتعامل مع غزة، وهو ما ذهب إليه المحلل العسكري ألون بن دافيد، إذ إنه لا يتعامل معها ككيان مستقل ويتركها وشأنها لإدارة شؤون غزة المعيشية دون تدخلات أو قيود, ولا يتعامل معها ككيان محتل ما يوجب عليه توفير سبل المعيشة للسكان, بل اختار التهرب من الحل، والقيام بمحاولات لإدارة الأزمة، على أمل أن يعمل الوقت لمصلحته بناء على تطور علاقاته مع بعض الدولة العربية، وتعزز مكانته وتأثيره في الإدارة الأمريكية, لذلك عمل على أربعة مسارات: عربية وفلسطينية وإسرائيلية ودولية، وأرسل رسائل ثلاثًا:


أولًا: الادعاء أن حماس فشلت في إدارة غزة، وسعى إلى التشكيك في قدرة ومصداقية قيادتها العسكرية والسياسية, وبالتزامن مع ذلك عمل على بث الشائعات لتعزيز هذه الرواية, متناسيًا بذلك حروبه الثلاث على غزة، وتشديد الخناق عليها برًّا وبحرًا وجوًّا.


ثانيًا: تبني أسلوب التهديد والوعيد لكل من يشارك في المسيرات السلمية، وتحذير قيادة حماس من "مغبة الاستمرار في استفزاز (إسرائيل)" على حد قولها، وهو ما قام به الوسيط المصري حاليًّا.


ثالثًا: الاستفادة من علاقاته مع الولايات المتحدة، وتحريك عدة أطراف دولية وعربية للضغط على حماس، وفي المقابل تقديم مبادرات فورية لتخفيف الحصار لا رفعه، وذلك بهدف نزع فتيل الانفجار، وتجنب الدخول في مواجهة لا تنسجم مع مصالحه في هذه المرحلة.


هذه التجليات وغيرها تؤكد ضرورة الحفاظ على الطابع السلمي للتظاهرات، والبحث عن وسائل إبداعية أخرى لتعزيزها وترسيخها, مع توخي الحيطة والحذر من الأساليب التي قد يتبناها الاحتلال لإفشالها أو حرفها عن مسارها, لأننا نرى أن نجاح هذه المسيرة هو بارقة الأمل في قرب تحقق الحلم رغم سوداوية المشهد.

مواضيع متعلقة: