مؤسسات إنسانية في مواجهة الطغيان الإسرائيلي (2-3)

عصام يوسف
الأربعاء ٢٧ ٠٩ / ٢٠١٧

واستهداف الكيان العبري للمؤسسات الدولية لا يقتصر على المختصة في المجال الإغاثي والإنساني، بل طال مؤسسات لها اهتمامات واختصاصات أخرى في الجوانب التعليمية والاقتصادية والاجتماعية، ومن أمثلة ذلك الهجوم الذي شنه الكيان على اللجنة الاقتصادية والاجتماعية لغرب آسيا التابعة للأمم المتحدة (إسكوا)، بعد تأكيدها في تقرير أصدرته في مارس 2017م أنه ثبت على أساس تحقيق علمي وأدلة لا ترقى إلى الشك أن الكيان مذنب بجريمة (الأبارتيد) بحق الفلسطينيين، إذ وصف متحدث باسم وزارة الخارجية الإسرائيلية التقرير بمنشور "دعائي نازي" معادٍ بشدة للسامية.

ويتضمن التقرير في جملة ما نص عليه أن "إستراتيجية تفتيت الشعب الفلسطيني" هي الأسلوب الرئيس الذي يفرض به كيان الاحتلال (الأبارتيد)، بتقسيم الفلسطينيين إلى أربع مجموعات تقمع بـ"قوانين وسياسات وممارسات تتسم بالتمييز"، وحدد التقرير المجموعات الأربع بأنها: الفلسطينيون الذين يحملون الهوية الزرقاء، والفلسطينيون في شرقي القدس، والفلسطينيون في الضفة الغربية وقطاع غزة، والفلسطينيون الذين يعيشون في الخارج إما لاجئين أو منفيين.

واستشاط الكيان العبري غضبًا بعد إعلان منظمة (يونسكو) في قرار جديد لها في 2 مايو 2017م عدّها الكيان محتلًّا للقدس، وذلك بعد أن صوت أعضاء المجلس التنفيذي لـ(يونسكو) في باريس لمصلحة تأكيد القرارات السابقة للمنظمة عدّ الكيان محتلًّا للقدس، ورفض سيطرته عليها، ومرر القرار بأغلبية 22 صوتًا، ومعارضة عشرة أصوات، وامتناع أو تغيب الدول الباقية.

ووصف سفير الكيان لدى منظمة الأمم المتحدة للتربية والثقافة والعلوم (يونسكو) كرمل شاما هكوهين حينها نتيجة التصويت الأخير في (يونسكو) ضد الكيان بأنه "انحطاط جديد من قبل الدول العربية".

أما مجلس حقوق الإنسان في جنيف فهو ميدان آخر من الميادين التي تفضح الاحتلال وانتهاكاته، ويخوض الكيان في ردهاته أشد معاركه ضد الضمير الإنساني الحر، فقد أصدر المجلس خلال الأعوام العديد من القرارات التي تشجب الإجراءات الإسرائيلية التي تخرق القوانين الإنسانية في الأراضي المحتلة، وكان آخرها تبنيه في مارس 2017م أربعة قرارات، في مقدمتها قرار يشجب البناء في مستوطنات الضفة الغربية وشرقي القدس وهضبة الجولان، ويدعو الدول والشركات التجارية إلى الامتناع عن أي اتصال مباشر أو غير مباشر بالمستوطنات.

وهاجم الكيان العبري حينها القرارات الصادرة عن المجلس الأممي على لسان سفيرته في مؤسسات الأمم المتحدة في جنيف أبيبا راز شخطر، وقالت: "إنّ كل القرارات المتخذة هي قرارات أحادية الجانب، وتبرز العبثية والسخرية في مجلس حقوق الإنسان".

حرب على الأيتام الفلسطينيين

ويصل استعراض المحتل لجبروته وطغيانه أمام الفقراء والمحتاجين والأيتام إلى حدود مطاردة الجمعيات الخيرية العاملة في الأراضي الفلسطينية، ويشهد على ذلك تاريخ الظلم والقهر والانتهاكات بحق العديد من المؤسسات والجمعيات داخل الوطن المحتل، فإغلاق "مؤسسة لجنة الإغاثة الإنسانية للعون" في الأراضي الفلسطينية المحتلة عام 1948م أدى إلى حرمان أكثر من 23 ألف يتيم في الضفة وغزة والقدس الكفالة، وتذرع حينها الاحتلال بإصدار قرار يحظر نشاط الحركة الإسلامية في أراضي فلسطين المحتلة عام 1948م، رافقه إغلاق 17 مؤسسة تابعة للحركة في مختلف أنحاء الداخل المحتل في عام 2015م.

وقد رافق القرار الإسرائيلي الجائر إغلاق مؤسسات أهلية أخرى متخصصة، كجمعية "اقرأ لمساندة الطلاب الجامعيين"، و"مؤسسة سند لرعاية الأمومة والطفولة"، و"مؤسسة حراء لتحفيظ القرآن الكريم".

وقد سبق ذلك إغلاق الاحتلال "مؤسسة الأقصى لإعمار المقدسات الإسلامية" التي كان يرأسها الشيخ رائد صلاح، عام 2008م، وكانت حجج الاحتلال آنذاك عدم حصول المؤسسات على الترخيص، أو صلات تربطها بحركة المقاومة الإسلامية (حماس).

وفنّد حينها الشيخ صلاح ادعاءات وأكاذيب الاحتلال في إغلاق مؤسسة الأقصى لإعمار المقدسات الإسلامية، وكشف الأسباب الحقيقية وراء ذلك بقوله: "إن المؤسسة عقدت مؤتمرًا كبيرًا قبل أسبوعين من الإغلاق، كشفت فيه الكثير من المخططات الصهيونية تجاه القدس والمسجد الأقصى والمقدسات الإسلامية والمسيحية"، مشيرًا إلى دعم ذلك بالوثائق والخرائط والتقارير.

وقد فشل الاحتلال في تقديم إثباتات يعتد بها قانونًا في كل مرة يعتقل فيها الشيخ صلاح، ليقوم بممارسات انتقامية، كمحاكمته على التحريض على العنف، أو مضايقة رجال الأمن، وغيرهما من التهم الفضفاضة، لاسيما أن عمل المؤسسات الأهلية التي كان يرعاها الشيخ كان موجهًا بوضوح دون أي لبس إلى أوجهه القانونية والشرعية من دعم للفقراء والأيتام، وطلبة العلم، إضافة إلى دعم مساجد فلسطين، وعلى رأسها الأقصى المبارك.

ويضاعف مشاعر القلق على مصير آلاف الأيتام والفقراء في الأراضي الفلسطينية المحتلة إقدام الاحتلال على إغلاق مؤسسات خيرية في الضفة الغربية، ومراكز تابعة لها، كما جرى مع عدد من لجان الزكاة، و"جمعية دورا الإسلامية لرعاية الأيتام"، و"الجمعية الخيرية الإسلامية" في الخليل، التي أقدم الاحتلال على إغلاق مراكز للأيتام تتبع لها، إضافة إلى مدارس ومشاغل خياطة ومخابز، وغيرها من المؤسسات الحيوية التي تخدم مستحقي الدعم من الفقراء.

ومن المفارقة العجيبة أن يوجه الاحتلال إلى الجمعية تهمة أنها "بنية تحتية للإرهاب"، وهي أسست (ومقرها بمدينة الخليل، جنوب الضفة الغربية) في العهد الأردني قبل عام 1967م، ولها عدة فروع في أنحاء المحافظة، أي أن عمر الجمعية يكبر عمر الاحتلال، ما يؤكد في الوقت نفسه تجذّر عملها في نسيج المجتمع الفلسطيني، وترسخ مؤسساتها، وبطبيعة الحال حجم المسؤولية الكبير، والعبء الثقيل الذي تنوء به في خدمة ورعاية الفئات المهمشة على مدى عشرات السنين.

وكعادته لا يترك الاحتلال ظرفًا سياسيًّا دوليًّا أو إقليميًّا إلا وجيّره لمصلحته، فضلًا عن إمكاناته الواضحة في صنع الحدث السياسي، أو المشاركة في ذلك، بما يخدم مصالحه، أو الاستفادة ما أمكن من ذيول الحدث.

واستغلال الكيان انعكاسات أحداث 11 سبتمبر 2001م على تطورات العلاقة بين الولايات المتحدة والدول العربية والإسلامية، فيما يتعلق بناحية مكافحة الإرهاب على وجه التحديد؛ مثال واضح على محاولته الانقضاض على مؤسسات العمل الخيري الداعمة لأبناء الشعب الفلسطيني، لاسيما التي تتخذ في دول العالم المتقدم مقار لها، وتعمل في الأراضي الفلسطينية ودول الشتات.

حملات تأليبية

وتجسد تجربة الصندوق الفلسطيني للإغاثة والتنمية (إنتربال) في صراعها القانوني مع مؤسسات وهيئات اللوبي الصهيوني في بريطانيا، ومن خلفها _لاشك_ الكيان العبري الذي أطلق مسؤولون فيه تصريحات يدّعون فيها دعم الصندوق لمنظمات تقوم بأعمال "إرهابية" ضده؛ مثالًا على الاستهداف المباشر والحقيقي للعمل الخيري والإنساني الرامي إلى دعم الأيتام والفقراء والأرامل والمرضى من أبناء الشعب الفلسطيني، على وجه التحديد.

واتخذ كيان الاحتلال مستخدمًا أذرعه في بريطانيا أساليب مختلفة في حربه على (إنتربال)، ومثيلاتها من مؤسسات العمل الخيري، من تشويه لسمعة المؤسسة عبر وسائل الإعلام، وتأليب الحكومة البريطانية عليها، ثم اتخاذه قرار منع مواصلة (إنتربال) نشاطاتها في الضفة الغربية وقطاع غزة، إضافة إلى رفع دعاوى قضائية، وغير ذلك من أساليب، وصلت إلى حد إدراج الرئيس الأميركي السابق جورج بوش هذه المؤسسة على قائمة المنظمات الإرهابية.

وخاضت (إنتربال) معركة قضائية استمرت سنوات طويلة، بصبر وثبات استمدتهما من إيمانها بقانونية عملها، فأكدت باستمرار أن مكاتبها مفتوحة لأي هيئة بريطانية حكومية تريد التثبت من سلامة وضعها القانوني، والتحقق من طبيعة المشاريع التي تنفذها، في الوقت الذي تصر فيه على أن عملها في إطار القانون البريطاني والدولي.

وتمكنت المؤسسة من حماية نفسها من حملات التضييق التي استعرت ضدها، بعدما كسبت الدعاوى القضائية كافة، فقد أثبتت بما لا يدع مجالًا للشك تعاملاتها مع جمعيات قانونية "تعمل في النور"، وأخذت تراخيصها للعمل من "السلطة الإسرائيلية" في السابق أو من السلطة الفلسطينية في أوقات لاحقة.

وقد أكدتُ مرارًا وتكرارًا من موقعي نائبًا لرئيس مجلس أمناء الصندوق الفلسطيني للإغاثة والتنمية أن "عمل (إنتربال) إنساني محض، بلا غايات أو خلفيات سياسية أو حزبية، مع الحرص الكبير على الشفافية والتوثيق والوضوح"، وأن "أهداف الصندوق تقوم على خدمة الفلسطينيين بالداخل واللاجئين بالخارج، وقد أمد الصندوق منذ تأسيسه الفلسطينيين في الوطن والشتات بملايين الدولارات التي صرفت على مشاريع إغاثة وتنمية متنوعة، لمحاولة التخفيف من معاناة أهل فلسطين تحت الاحتلال من فقر وجوع ومرض ونقص في الأموال".