إقرأ المزيد


نزهة الحموري.. من "ذوّاقة" لـ"أستاذة" في الطهي

القدس المحتلة / غزة - هدى الدلو


تحاول أن تجعل لنفسها بصمة فارقة تميّزها عن غيرها من الطهاة، وتتطلع لرؤية جديدة في عالم الطبخ والحلويات لتصنع مزيجا بين الطعام الشرقي والغربي، كما تعمل على دمج الثقافات والعادات الغذائية المختلفة وتحول إدخالها للمطبخ العربي بطرق مبسطة تتلاءم مع طبيعة الثقافة الفلسطينية مع المحافظة على الأصول الشرقية في بعض الجوانب، سعيًا منها للارتقاء نحو الأفضل دائمًا.. هي الطاهية المقدسية "نزهة الحموري" التي أجادت الطبخ وعلّمته للآخرين، رغم حداثة علاقتها به..

بداية متأخرة

قد يتبادر إلى ذهنك، عزيزي القارئ، أن الإبداع في الطهي له جذور تمتد من مرحلة الطفولة، وعلاقة وطيدة مع المطبخ من الصغر.. فهل هذا حال ضيفتنا؟!

وجهنا السؤال إلى الحموري (32 عامًا)، لتباغتنا بضحكة خرجت من أعماق قلبها، تجيب: "بكل صراحة، لم أدخل المطبخ في صغري إلا لتناول الطعام، وأحيانًا كنتُ أساعد أمي بشكل بسيط".

كانت تساعد والدتها في بعض الأوقات بتزيين قالب الكيك، أو ترتيب مائدة الطعام، ولكن لم تجرب أبدًا الطهو بنفسها، وكانت تتولى دائمًا مهمة تذوق الطعام، ومراقبة طرق إعداد الأطباق المختلفة بعينها "الناقدة".

تقول: "أما عن المناسبات، فقد كانت أمي مشهورة بين الجيران بإعدادها لأنواع الحلويات اللذيذة وكانوا يقدمون على طلبها منها، وفي إحدى المرات ساعدتها في تزيين كعكة ليوم ميلاد طفل من الجيران، كانت الكعكة على شكل أرنب، وكان حجمها كبير جدًا فحملها ثلاثة أشخاص على لوح خشبي، في الطريق، كنت أمشي خلفهم وأقول للأطفال هذه الكعكة من صنع أمي، كان يوما لا يُنسى".

اقتحمت "ورشة المطبخ" مع بداية زواجها قبل 14 عامًا، فأصبح بيتها محظوظا بمهاراتها.

إلى أي حدٍ أضفتِ البهجة والاختلاف على أبنائك وزوجك؟ تجيب: "من المؤكد أن هذا المجال أثر بي وبعائلتي، فمن ناحية أصبحت أتفنن بأنواع المأكولات والحلويات التي أقدمها للأسرة على مائدة الطعام يومًا بعد يوم، ومن ناحية أخرى أرى تفاخر أبنائي بي أمام أصدقائهم وهذا يسرني جدًا".

ورغم أنها أصبحت طباخة ماهرة، إلا أنها لا تزال تعشق طبق "الأوزي" من يدي والدتها.

أما بناتها، فيقلبن المطبخ رأسًا على عقب فهن عندما يقتحمنه لمشاركتها في إعداد الحلويات ويصبح العمل أقرب لـ"مهرجان"، بالإضافة إلى أن من الطقوس اليومية في المنزل أن تشارك الصغيرات في إعداد وجبة العشاء، التي يتبعها تقديم نوع من الحلويات، حتى أن أحد الأقارب زارها في ساعات المساء ذات يوم، قائلا: "حضرت في هذا الوقت لأنني أعلم أنه وقت تقديم الحلويات عندك".

"بالبيت أطيب"

أصدرت الحموري كتابها الأول "بالبيت أطيب" في رمضان الماضي، وتضمن فصولًا عديدة، فيها أطباق شرقية وغربية، ووجبات رئيسية وحلويات ومعجنات ومشروبات مختلفة، ويتميز بسهولة الوصفات ووفرة مقاديرها، حتى تستطيع ربات البيوت تجربتها دون الخوف من إهدار الكثير من المواد، ولذا فقد لاقى انتشارا بين أوساط المقدسيات، على حد قولها.

"بالبيت أطيب"، هو أيضا اسم لمشروعها الذي بدأته قبل ست سنوات، إذ تصنع الطعام في بيتها وتبيعه وفق طلبات الزبائن.

وعن أصعب موقف مرّت به خلال مشروعها، واستطاعت تجاوزه، تقول: "انتقادات الزبائن من أصعب الأمور التي اضطر لتحملها بصدر رحب مهما كانت مزعجة، ولكنني كنت أضعها أمامي كنقطة انطلاق أخرى، وعتبة أستطيع من خلالها تحقيق نجاحات".

أما الأنواع التي لاحظت انجذاب السيدات لتعلمها فهي تلك التي لا تحتاج وقتًا وجهدًا، وتكلفتها المالية أقل من غيرها، خاصة أن هنالك العديد من الأمهات العاملات وهذا مناسب لهن.

تحاول تنظيم وقتها كي لا تعيش تحت الضغط بسبب عملها، خاصة شهر رمضان والأعياد حيث تزداد الطلبات.

وتشير إلى أن مواقع التواصل الاجتماعي ساعدتها في الترويج لطبخاتها، حيث يمكن الوصول للجمهور دون جهد.

الطهي والشخصية

ولتجربة طهي الطعام لها تأثير كبير على شخصية الحموري فيما يتعلق بالصبر، "فمهمة إعداد الحلويات وإتقانها بدرجة عالية تعتمد على الهدوء والتروي بشكل كبير، وبسبب عملي الدائم فيها أصبحت ميزة الصبر طبع لا يفارقني حتى في حياتي اليومية، وأصبحت أتعرف بسهولة على ما يناسبني من وصفات وأطعمة بالنظر إلى مقاديرها فقط، فقد أصبح من السهل عليّ أن أتخيل الطعم الذي سينتج عن دمج المقادير، وهذه ميزة أستطيع القول بأنها فريدة من نوعها ولا يمتلكها الجميع"، وفق قولها.

ربما هو سؤال فلسفي، الطعام والحياة في ماذا يتشابهان؟ ما هي أبرز اكتشافات الحياة بالنسبة لك التي ما كنت لتعرفيها لولا الطهي؟ تردّ: "لا تنفصل ثقافات الشعوب في الطعام عن ثقافة المجتمع العامة، فكل مجتمع يحاول تأصيل هويته بانفراده بثقافة طعامه التي تختلف عن الآخرين، وقد ساعدني عملي عند البحث في ذلك على معرفة عادات بعض الشعوب، فمثلًا في لبنان ترى طبق السلطة هو الضيف الرئيسي على المائدة، فيما المغاربة يستغنون عن الطاولة والكراسي فيضعون الطعام أرضًا ويجتمعون حوله وهكذا".

وترى أن العاطفة "العمل بحب" يمكن أن تضفي مذاقاً مميزاً لجودة المكونات، فحب إعداد الطعام يؤثر على ذوق الإنسان أثناء انتقاء للمقادير، مما يجعله أكثر جرأة وتنوعًا في إضفاء النكهات المختلفة والجديدة، ومن الأطباق التي تستمتع في إعدادها أكثر من غيرها المسخن الفلسطيني.

وعند سؤالها عن أهم نصيحة تلقتها من أحد الخبراء في الطهي التراثي، ومَن من الطهاة تحب أن تتابع أعمالهم، كانت إجابتها أنها لم تحتك بأحد من الطهاة وذلك لعدم توفر فرصة من هذا النوع، لكنها كانت على اطلاع بسيط على فنون الطبخ عند الطاهية الراحلة سهام بغدادي، ومنال العالم.

وتقول: "عادةً ما يضيف السفر إلى تجربة الطاهي، ولكن في واقعنا يتأثر الطاهي سلبا بسبب ظروف الاحتلال الذي أوجد العديد من الحواجز على المقدسيين من جميع النواحي السياسية والاقتصادية، وغيرها، فيؤثر على عمله لأن التعرف إلى ثقافات الشعوب الغذائية ودراستها عن بعد تختلف عن التجربة العملية على أرض الواقع".

وتشير إلى أنها تحاول أن تجعل لنفسها ما يميزها عن غيرها، وذلك بتطوير مهاراتها بشكل ذاتي ومحاولة إعطاء نفسها مجالًا أكبر للإلهام والإبداع.

وتحلم بخوض تجربة برنامج تلفزيوني خاص بالطهي، وتصف ذلك بـ"الرائع"، فسقف طموحاتها لا حدود له، فكلما وصلت لنقطة معينة كانت تحلم بها سابقًا تتخذها نقطة انطلاق للمزيد من التقدم والانتقال لأهداف أكبر.

إحياء التراث

مسقط رأس الحموري في القدس وبالتحديد "واد الجوز" جعل لها خصوصية فيما تقدمه، وساعدها كثيرًا في أداء عملها، وخاصة في الوصول إلى النساء المقدسيات بكل سهولة، فهي عاصمة فلسطين وملتقى لكثير من الناس من القرى المجاورة، بالإضافة إلى عدم وجود اختلاف في شهرة بعض الأطباق بين مناطق الضفة والقدس.

إعداد الطعام المقدسي بمثابة مساهمة في إحياء التراث الفلسطيني وتعزيز الهوية، لا سيما أن الاحتلال يحاول السطو على تاريخ الطعام الفلسطيني، من وجهة نظرها.

ترى ضيفتنا أن "المقلوبة" من أكثر الأطباق المشهورة في فلسطين، وإحضار المرابطات هذا الطبق للأقصى باستمرار رسّخ قيمته، إذ أصبحت "المقلوبة" رمزًا للصمود والنصر ووسيلة لإغاظة العدو الصهيوني، موضحة: "ونستطيع القول إنها أصبحت تجمع بين الأحبة وتعزز وجود المقدسيين بالأقصى وصمودهم رغم مضايقات جنود الاحتلال".

وفي فترة الاعتصامات حول الأقصى، كانت تتمنى الذهاب للأقصى بأطباقها الخاصة، ولكن ظروفها الاجتماعية حالت دون ذلك، فأبناؤها أطفال، وأصغرهم ما يزال رضيعا.

وأثناء إعدادها للطعام المقدسي، يتملكها حب العمل، وحب ترتيب المائدة والتنسيق بين الوجبات والأطباق والألوان، وبسبب هذا الحب، فهي دائمة البحث عن كل ما هو جديد وغريب في عالم الطبخ.

وتعترف أنها في بعض الأحيان لا تراعي معايير "التغذية الصحية" في ما تصنعه، لأنها مضطرة يحتم لإرضاء جميع الأطراف.

وترى الحموري أنه رغم انتشار مطاعم الوجبات السريعة، إلا أن حب الطعام التراثي لم يتراجع في أوساط الشباب المقدسي، إذ لا غنى عن طعام الأم والوجبات الرئيسية في الولائم والأفراح والحفلات التي يجتمع فيها الأقارب.

وتلفت الحموري إلى أنه في الآونة الأخيرة انتشرت مشاريع على غرار مشروعها، وذلك من شأنه دعم المقدسيات، لا سيما في ظل الوضع الاقتصادي الصعب، إلى جانب تفضيل البعض للأكل المنزلي الصنع، كما ترى.

وتتوقع أن "يكون هناك جيل واعد من الفتيات المقدسيات فيما يتعلق بالطهي الاحترافي، وخاصة في ظل التطورات الحاصلة".

مواضيع متعلقة: