إقرأ المزيد <


ضقنا بكم ذرعاً أيها الصهاينة

بقلم- ابيرما غولان
(المضمون: كيف تحول تعريف الصهيونية من حركة علمانية قومية الى حركة دينية خلاصية وهو أمر يخالف جوهر الصهيونية وماهيتها - المصدر).

ما كدت أبدأ هذه المقالة بالتصريح الاحتفالي "الموقعة ادناه هي صهيونية"، حتى فهمت فجأة أن هذا بالضبط هو التسويغ الذي يتمناه الوسط الفكري لـ "اذا شئتم" و "معهد الاستراتيجية الصهيونية" و "أشباههما" – فتخليت. اذا كانت الصهيونية تعني القومانية العمياء المفصولة عن كل سياق تاريخي وعالمي وانساني – فليست الموقعة ادناه صهيونية.

هاتان الجهتان هما رأس الحربة لتوجه جديد يجري على مفهوم الصهيونية اغتصابا وحشيا. لم يبد هذا المفهوم قط مبتذلا أجوف مذعورا عدوانيا الى هذا الحد. إن "الصهيونية" في واقع الأمر على حسب "الوطنيين الجدد" لم تعد تشتمل على شيء سوى التقسيم الفظ لـ "ما بعد الصهاينة" (أي غير المخلصين، والافاقين، والمتهربين والتل أبيبيين واليساريين "محبي العرب" الذين يعارضون الاحتلال) و "الصهاينة" (أي المخلصين والوطنيين ويراد أن يكونوا مستوطنين، وكل من يغضب لسماع شيء من انتقاد الدولة والجيش خاصة واليهود عامة).

أي انقلاب مأساوي – ملاهاتي يحدث ها هنا. إن فئتي السكان اللتين ناضلتا (كل واحدة في زمانها وأسلوبها) الصهيونية كما تنبأ هرتسيل وكما حقق ذلك آباء (إسرائيل) المؤسسون – تطلبان الان الاعتراف بأنهما الصهاينة الحقيقيون، وكل من ليس مثلهما خائن يستحق الاقصاء.

الجمهور الاول هو الحريديون. ليسوا جميعا بل كثيرين، يظهرون في السينين الاخيرة علامات قومانية واضحة مثل كراهية متقدة للعرب بطبيعة الامر. لكن تقدير الجيش ايضا، واستعمال تعبيرات "صهيوني متحمس" و "يهودي حار" وكأن الحديث عن كلمتين مترادفتين.

ولكي ندرك مبلغ تشويه مفهوم الصهيونية، حسبنا قراءة تصفحية للردود على مقالات الآراء في صحيفة "هآرتس": يمكن أن نلحظ بين من يشتمون الكتاب بمقالات على صورة "اذهب واسكن في غزة، فلست يهوديا ولا صهيونيا" – كما يخيل إلي نسبة غير ضئيلة من اليهود الامريكيين الحريديين.

والجمهور الثاني هم المستوطنون. قد يصعب بعد اكثر من 40 سنة استيطان أن نبين كم من السخرية يكمن في أن (إسرائيل) هرئيل، من رؤوس "غوش امونيم"، أصبح جوهر ولباب "الاستراتيجية الصهيونية".

فهو والمعهد الذي يرأسه يمليان على الجمهور الاسرائيلي المعيار الذي يحدد من هو الصهيوني. اذا كان يوجد فعل يخالف روح الصهيونية فان الاستيطان هو تجسيده. لان الصهيونية حركة قومانية علمانية، أرادت أن تفصل الشعب اليهودي عن العناصر الدينية – الخلاصية غير التاريخية، وأن تنشىء له وطنا قوميا طبيعيا وأن تضمه عضوا مساويا في عائلة الشعوب.

ليس عرضا أن أشد معارضي الدولة (المتدينين – القوميين غير الصهاينة، كما عرفهم الحاخام حاييم نفون في مقالته "بدء الامل") ينشأون فوق تلال يهودا والسامرة. هذا ما ولد الرباط الفتاك بين التدين الخلاصي والقومانية العنصرية. والمثل المتطرف على ذلك هو الكتاب البغيض "نظرية الملك"، الذي يعرف أشياعه من الحريديين القوميين بأنهم "يهود وصهاينة أخيار" ويزعمون ان اليساريين ليسوا هذا ولا ذاك.

مهمة الحركات القومية تحرير الشعوب من الاستعباد ومنح شعوبها الاستقلال والهوية القومية. وعندما تتم هذه المهمة، يفترض أن تمضي بصمت الى صفحات التاريخ وأن تخلي المنصة للمسيرة الحيوية التي هي بناء مجتمع طبيعي ليست الدولة سوى أداة تخدمه. لكن (إسرائيل) التي نشبت منذ 62 في نضال عن تعريف هويتها (ديمقراطية يهودية، أي ديمقراطية وأي يهودية)، أعلقت الصهيونية ايضا.

إن الجمهور العلماني والمحافظ السليم العقل ("الاكثرية الصامتة") ناضج منذ زمن للمرحلة القادمة، لكن الجماعتين المذكورتين آنفا، وقادتهما أكثر منهما (وأكثر من الجميع ساسة من الليكود وعن يمينهم يدركون الى أين تهب الريح السيئة)، لن يدعوه. فسيوزعون علامة "صهيوني" على من يفكر مثلهم ويسكتون الجميع.

ملفات أخرى متعلفة