صورة من زنزانة الرئيس

خالد صادق
الجمعة ٣١ ٠١ / ٢٠١٤
في مكان يفتقد لكل ما يدل على الحياة, تشعر وكأنك تعيش في غير عالمك, وأن ما حولك ساكن كالموت, يقطع هذا الصمت الرهيب قطرة ماء تسقط من صنبور متهالك يعتريه الصدأ, وجدار حفرت عليه بعض الكلمات الباهتة وكأنها تدل على وعي صاحبها. أنفاسه تهوي كالطير المذبوح, تتلاحق متسارعة ومنهكة, هي كل ما يدل على الحياة, يقوم بلملمة أشلائه المتناثرة في أركان الزنزانة المظلمة, في ذلك المكان الموحش "يحيا الرئيس" وكأنه يريد أن يقهر السكون بصمته, ويبعث في المكان ألف حياة, جسده يقطر بالعذابات والآهات ودموع متلألئة تعكس صفحة النور المتسلل لوحشة المكان في خيوط بالية من كوة كامنة على رأس الجدار.

تحسس بأنامله جرحاً في وجهه يكاد يندمل بعد أن داواه بصبره الجميل, وتذكر يوم أن حاولوا إجباره على ارتداء ملابس السجن لاقتياده للمحكمة الهزلية, فصرخ فيهم غاضبًا أنا محمد مرسي رئيس الجمهورية فمن تكونون أيها النكرات. لا لن أرتدي هذه الثياب وأطل بها على شعبي, فأنا الرئيس الشرعي وأنتم لا تملكون محاكمتي, عليكم أن تعلموا جيدا أنكم مهما حاولتم فلن أرتدي هذه الثياب.

أنت .. هل تظن نفسك أنك ما زلت رئيسا .. ارتدِ الثياب وإلا ... لا يمكنكم أن تجبروني على شيء أيها الانقلابيون فأنا أمثل كرامة وطني وشعبي وأنتم حتما إلى زوال إن عاجلا أم آجلا, يجب أن تعلموا ذلك جيدا فأيامكم معدودة. آه يا ابن ... اضربوه حتى يفيق من أحلامه ويعرف أنه أصبح سجينًا, وأنه لم يعد رئيساً انهالت عليه سياطهم وعصيهم بغلِّهم وحقدهم وحيوانيتهم, حتى أغشي عليه وجروه إلى زنزانته الوحيدة. ابتسم وهو يعيد سجل الذكريات للثورة المجيدة, في مثل هذا اليوم 25 يناير 2011م كان في غياهب السجن, وقد فتحت أبوابه مشرعة ليخرج منه رئيسًا لمصر, هل تعود الذكرى من جديد, هل لا يزال الشعب المصري يصنع التاريخ من جديد, أم قهرته آلة القمع والموت العاتية التي تحصد الأرواح حصدا, نعم ..

ما زلت أراهن على الشعب فهو دائما يصنع المعجزات, أنا أدرى بشعبي منهم, فهم يحاولون إقناعي بأن الأمور عادت إلى طبيعتها, والناس قد لفظتني إلى غير رجعة, لكني أعلم أنهم كاذبون, وإلا لما كانوا وضعوني في هذا المكان, وأبعدوني عن مشاهد الحياة بحلوها ومرها. ها هي أصوات قادمة .. إنها وقع أقدام معتادة تقترب من الزنزانة وأصوات مفاتيح تقرع, نعم إن هذا البؤس يدل على الحياة, نظر تحت قدمية فإذا برغيف خبز جاف يقذف من أسفل الباب, وقصعة بها بيضة مهشمة وشطر حبة طماطم ذابلة, تقذف إليه بتمتمات لم يفهمها, لكنها توحي بتحسر السجان على تقديمه لهذا الطعام لأنه يمنح الرئيس مزيدا من القدرة على العيش ومواصلة الحياة, ولو سمح له بالحديث لقالها علانية, لكن الحديث يمنع عن الرئيس حتى لا تتبدل الأفكار والقناعات.

مسكين هذا السجان, يظن أنه يأسرني بين الجدران, ولا يدرك أنه يبعث في شعبي الثورة من جديد, إنه لا يعرف كيف تصنع الثورة أمجاداً, وكيف أن خيوط الحرية تنبعث من بين الظلام, لكأني أشتم رائحة يناير تملأ المكان, اسمع صهيل الخيل الجامحة, وصيحات النصر الصاخبة, اسمع شلالات الدماء المسفوح وهى تروي ظمأ الأرض حمما لتنبت براكين الثورة من جديد, وتبعث في سماء الوطن أقماراً تنير كل الدروب الحالكة. لا يزال في الوطن متسع لبقايا حياة, يجب أن نقبض على الجمر حتى نحقق النصر, الثورة تنبعث فينا وتولد من جديد, والحرية تنتزع من بين أنياب الطغاة المتجبرين, وليس لها ثمن, فمهرها أعمارنا وحصاد السنين, عودي ثورة يناير فقد عادت الغربان تنعق في سمائك من جديد, عاد الفراعنة بجبروتهم وسفكهم للدماء, يستبيحون دماء الأطفال الذين يولدون من جديد, وأطل فلول العصر الذين سلبوا الأوطان من جحورهم, وتجرأ قراصنة البحر المرتزقة على سفينة الوطن المبحرة إلى شاطئ الأمان, ليمنعوا الموج العاتي من الرسو على حدود الوطن المنشود, لكن بشائر النصر تأتينا كنسمات عليلة, تعيد أرواحنا الراحلة إلى أجسادنا الهزيلة, تبشرنا بفجر جديد, أقبل أيها البشير وألقِ قميصك على وجه الشعب الصابر, فالنصر سيولد من جديد.

ملفات أخرى متعلفة