المأمور به هل ينهى عن تمنيه؟!

د.تيسير إبراهيم
الاثنين ٢٦ ٠٥ / ٢٠١٤
مما لا شك فيه أنَّ لقاء العدو من أشد الأشياء على النفس لما فيه من تعريض النفس للهلاك، والمخاطر، فضريبة الحرب مكلفة ومكلفة جدًا خصوصًا في زمن كزماننا الحرب فيه لم تعد قائمة على السيف والرمح.

هذه المقدمة المتواضعة أجعلها بين يدي هذا المقال قاصدًا الإشارة إلى بعض الاعتبارات فيما سأذهب إليه من نتيجة في آخره.

بالعود إلى عنوان هذه القضية المنهجية وهي هل يمكن أنْ تأمرنا الشريعة بشيء ثم تنهانا عن تمنيه؟
سؤال بإمكان كل مسلم عادي أن يجيب عليه بنعم ضاربًا مثال قتال الأعداء، لكن ما أحسب أنه مما يجب التوقف عنده طويلًا سؤالٌ آخر كيف تأمرنا الشريعة بأمر ثم تنهانا عن تمنيه؟ أليس هذا من التناقض المحير؟ ولاستجلاء الفكرة أكثر لنضرب مثالًا آخر غير القتال، ولنأخذ مثلًا الصلاة، فهل يعقل أنْ تأمرنا الشريعة بالصلاة ثم تنهانا عن تمنيها.

أظن أنَّ كل واحد سيقول لا؛ لأنَّ الشيء إمَّا مأمور به، وإمَّا منهي عن تمنيه وحيث جزمنا بأحدهما شككنا في الآخر.

كثير من الفقهاء وتمشيًا مع قولهم إنَّ الأصل في العلاقة مع غير المسلمين الحرب قالوا ينبغي على الإمام أن يغزو الكفار مرة في كل عام، أو مرتين فيما يعرف بجهاد الطلب.

والسؤال إذا كان الأمر كذلك، فلماذا تأتي الشريعة وتنهانا عن لقاء العدو إذا كان حاصلًا حاصلًا، فما قيمة تمنينا من عدمه؟!، وهل يمكن أنْ يقال الأمر ذاته في الصلاة -وهي مطلوبة منا مرات في اليوم- إنها مطلوبة ومنهي عن تمنيها؟!.

فإذا تجاوزنا هذه النقطة وسلمنا تنزلًا أنَّ الشيء يمكن أن يؤمر به، وأن ينهى عن تمنيه في الوقت نفسه، وأنَّ ثمة فرقا بين الأمر بالقتال والأمر بالصلاة، فهل يمكن أنْ تأمرنا الشريعة بما لا طاقة لنا به؟ فإعلان الحرب في العام مرة، أو مرتين مما لا تحويه طاقة البشر خصوصًا في زمان كزماننا.

فالحكم الشرعي له فضاء يتحرك فيه هذا الفضاء هو واقع الناس وحياتهم، أما مجرد تخيل الحكم عقلًا فهي مسألة سهلة فإشعال حرب نووية في الذهن لن يشعل شعرةً واحدةً في الرأس، لكنَّ إلقاء قنبلة يدوية واحدة على الأرض كفيل بقتل عشرات الناس.

أخيرًا إنَّ القول بأنَّ الأصل في علاقة المسلمين بغيرهم هو السلم، وأنَّ الحرب حالة استثنائية يلجأ إليها المسلمون لدفع الاعتداء خير لنا وللبشرية جمعاء من القول المقابل، لا سيما أنَّ هذا القول يترجح بعشرات الأدلة من كتاب الله وسنة رسول الله كقوله تعالى: " وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ وَلا تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ".

ملفات أخرى متعلفة