أبعد من تجنيد المسيحيين

علي بدوان
الخميس ٠٣ ٠٧ / ٢٠١٤
من المعروف أن الكيان العبري كان _ومازال_ يبذل جهودًا استثنائية؛ للوصول إلى تطبيق التجنيد الإلزامي العام على أبناء الشعب العربي الفلسطيني من المُنتمين إلى مُختلف الطوائف المسيحية داخل حدود عام 1948م.

فقد قررت هيئة الطاقة البشرية في "جيش الاحتلال" قبل مدة قصيرة إرسال أوامر تجنيد لأعداد من الشبان الفلسطينيين من أبناء الطوائف المسيحية داخل حدود عام 1948م تحت مُسمى "التطوع للجيش"، وهذه المرة الأولى التي ترسل فيها أوامر تجنيد لمجموعات من الشبان الفلسطينيين من المسيحيين، فهل سينجح الاحتلال في خطوته هذه، أم أن الفشل سيكون نصيبه؟

تهجير و"تطفيش"
نبدأ القول: إن سياسات الاحتلال استهدفت المجموع العام للفلسطينيين منذ إقامة الكيان العبري على أنقاض الكيان الوطني للشعب الفلسطيني، فلم يَسلَم من سياساته المسلم ولا المسيحي، ولسياساته المعروفة نتائجها المباشرة بتهجير العدد الأكبر من مسيحيي فلسطين باتجاه دياسبورا المنافي والشتات، وحدوث تراجع مطرد في أعداد المسيحيين الفلسطينيين.

ولوحظ هبوط حضورهم في المدينة المقدسة التي باتت سلطات الاحتلال تريدها مدينة بلا مؤمنين من أبنائها من الفلسطينيين المسلمين والمسيحيين على حد سواء، لتصبح نسبتهم اليوم في عموم أرض فلسطين التاريخية (أي في المناطق المحتلة عام 1948م + المناطق المحتلة عام 1967م وفيها القدس) نحو (5%) فقط من السكان، بعد أن كانوا يُشكلون أكثر من (17%) من سكان أرض فلسطين التاريخية قبل إقامة الكيان الصهيوني.

لقد بدأت دعوات حملة التجنيد إياها مع تأسيس ما يسمى "منتدى تجنيد المسيحيين للخدمة العسكرية الإسرائيلية"، وذلك في آب (أغسطس) 2012م، إذ عقد المنتدى اجتماعًا سريًّا جنوب حيفا في السادس عشر من تشرين الأول (أكتوبر) 2012م، تحت رعاية رئيس بلديتها شمعون جابسو، وهو من أعضاء حزب (ليكود)، ومن أقطاب اليمين "الإسرائيلي"، وحضره نحو تسعين شخصًا، أبرزهم كاهن من الكنيسة الأرثوذكسية جبرائيل نداف المنادي والمؤيد لتجنيد الشبان الفلسطينيين من الطوائف المسيحية بجيش الاحتلال، ومن هنا بدأت تتدحرج القضية، التي انطلق الوطنيون المسيحيون ومعهم سائر الأحزاب والقوى من فلسطينيي الـ(48) يهاجمونها وأصحابها.

لماذا التجنيد؟
لقد وصلت جهود الاحتلال إلى نقطة انعطاف كبرى حين بدأت منذ آذار (مارس) 2014م استدعاء مجموعات من شبان الطوائف المسيحية من فلسطينيي الـ(48) لـ"الخدمة" بجيشه، وهو ما استتبع ردود فعل بين عموم أبناء الطائفة لجهة رفض "الخدمة"، ورفض المساهمة بتزويد جيش الاحتلال بالطاقة البشرية، ورفض المساهمة بحصار وقتلِ أبناء شعبهم في الضفة الغربية والقدس وقطاع غزة.

إن الكيان العبري الصهيوني يسعى من وراء تطبيق "التجنيد الإلزامي" على المواطنين الفلسطينيين من أبناء الطوائف المسيحية داخل حدود عام 1948م لتحقيق عدة أغراض دفعة واحدة، أولها شرذمة صفوف فلسطينيي الداخل على أساس طائفي ودق الأسافين بين أبناء الشعب الواحد، وتحقيق المزيد من التشرذم والتفتيت للمجتمع الفلسطيني داخل أراضي الـ(48)، تطبيقًا لمبدأ "فرق تسد"، والمساهمة في فسخ وحدته، وفتح أبواب الفتنة الداخلية بين عموم فلسطينيي الداخل.

ثانيًا الفرض التدريجي للتجنيد في جيش الاحتلال وتطبيقه، وجعله أمرًا عاديًّا في حياة المواطنين الفلسطينيين داخل أراضي الـ(48)، وتعميمه في المراحل التالية حال نجاحه على فلسطينيي الـ(48) جميعًا، وفيهم المسلمون، فالمسألة هنا أبعد من تجنيد المواطنين الفلسطينيين من أبناء الطوائف المسيحية وحدهم.

وثالثها إحداث شرخ داخل الطوائف المسيحية نفسها، خصوصًا عندما تتصاعد بعض الأصوات التي تتكلم بطريقة نافرة، ومنها ما صرح به لشبكة (فوكس نيوز) الأميركية جبرائيل نداف، الكاهن الذي يروج لحملة تجنيد المسيحيين من فلسطينيي الـ(48) قائلًا: "أؤمن بالمصير المشترك للجماعة المسيحية والدولة اليهودية".

رابعها إعادة إحياء مشاريع "الأسرلة" التي فشلت طوال عقود النكبة؛ من أجل توليد ما أسمته المصادر "الإسرائيلية" المختلفة "وعيًا قوميًّا واحدًا، إسرائيليًّا صهيونيًّا"؛ فالخدمة في الجيش من الوجهة "الإسرائيلية" وسيلة فعّالة لتنمية "أسرلة" فلسطينيي الداخل، بحيث يصبح فلسطينيو الـ(48) عامة والمسيحيون منهم خاصة يرون هويتهم في انتمائهم إلى الكيان العبري لا مجتمعهم العربي الفلسطيني.

الرفض القاطع
لكن بعد كل المساعي "الإسرائيلية" المناخ العام عند مسيحيي الداخل من أبناء الشعب الفلسطيني قاطع في رفضه للمسعى "الإسرائيلي".

فالمسيحيون الفلسطينيون يعدون أنفسهم جزءًا أصيلًا من الشعب الفلسطيني، ويعدون "الخدمة" في جيش الاحتلال من المحظورات وعارًا ما بعده عار، وقد أدانوا سلوك الكاهن جبرائيل نداف من الناصرة المتواطئ مع بعض الجهات الرسمية صاحبة القرار في الكيان العبري، وأعلن الأب عيسى مصلح الناطق باسم الكنيسة الأرثوذكسية في فلسطين يوم الثامن من أيار (مايو) 2014م الجاري أن "المجمع المقدس والمحكمة الكنسية الأرثوذكسية جردا الكاهن جبرائيل نداف من صلاحياته الكنسية والرعوية".

وعليه أعلن مسيحيو فلسطين داخل مناطق عام 1948م رفضهم القاطع لخدمة أبناء الطائفة في الجيش الذي يحتل الأرض الفلسطينية، ويضطهد الشعب الفلسطيني، وذلك بلسان لجنة المبادرة المسيحية الفلسطينية "كايروس فلسطين"، التي رأت أن موقف بعضٍ أقلة من المنادين بالتجنيد "استفزازي ويسيء للكنائس المسيحية وللمسيحيين كافة وللقضية الوطنية".

ولذلك دعتهم لـ"العودة إلى رشدهم وأن يتوبوا عن هذا الخطأ الجسيم الذي يسيء لجميع المسيحيين"، وقالت: "إن هؤلاء المنادين بتجنيد المسيحيين لا يمثلون المسيحيين من أبناء الشعب الفلسطيني، ولا يُمثّلون الكنائس المسيحية، ولا يتحدثون باسم المسيحيين".

وذهب النائب الفلسطيني في (الكنيست) باسل غطاس إلى أبعد من ذلك حين عد أوامر التجنيد "تحديًا لكل الجماهير الفلسطينية في أراضي الـ(48)، وكل الشعب الفلسطيني"، ودعا لـ"حرق أوامر التجنيد علنًا" في طقوس تُعبّر عن حالة الرفض الشعبي لتجنيد المواطنين الفلسطينيين من الطوائف المسيحية، مشددًا على ضرورة قيام الحركة الوطنية الفلسطينية في الداخل بـ"العمل بوتيرة واستنفار عاليين لرفض وإفشال المشروع، واستخدام وسائل غير عادية من إضراب شامل ومفتوح، مقدمة لعصيان مدني مُحتمل".

المشروع الوطني
هنا لابد من الإشارة إلى الدور الريادي للمسيحيين الفلسطينيين في المشروع الوطني الفلسطيني، إذ يتكامل الدور الوطني للمسيحيين الفلسطينيين مع إخوانهم المسلمين، فبرز من بين صفوفهم قادة تركوا بصماتهم في مسار الكفاح الفلسطيني والثورة الفلسطينية المعاصرة، يتقدمهم الدكتور جورج حبش مؤسس الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين، وأحد أركان الحركة الوطنية الفلسطينية المعاصرة الذي حمل لقب "ضمير فلسطين وحكيم الثورة"، ومنهم إدوار سعيد، والدكتور وديع حداد مسؤول فرع العمليات الخارجية في الجبهة الشعبية ونائب رئيس المجلس الوطني الفلسطيني في السنوات الأولى لتأسيس منظمة التحرير الفلسطينية.

ولا ننسى أيضًا أن أغلب قادة الحركة الوطنية الفلسطينية في الداخل المحتل عام 1948م وفي السنوات الأولى من عمر النكبة كانوا من المسيحيين الفلسطينيين، الذين قادوا معارك البقاء والتحدي داخل أراضي الـ(48)، وساهموا مساهمة كبيرة في تصعيد الكفاح الفلسطيني والثبات فوق الأرض.

ونذكر من بينهم: الحيفاوي توفيق طوبي، والأديب أميل حبيبي، والمؤرخ أميل توما، والقس شحادة شحادة رئيس لجنة الدفاع عن الأراضي، ومحامي الأرض حنا نقارة، والكاتب الشاعر حنا إبراهيم، والمفكر إلياس شوفاني (انتمى لحركة فتح)، وقادة "حركة الأرض" التي أسست بالجليل في ستينيات القرن الماضي، وواجهت بطش الاحتلال وسياساته، وكان منهم: منصور كردوش، وبولس فرح، وحبيب قهوجي (عضو اللجنة التنفيذية في منظمة التحرير سابقًا)، وصبري جريس (مدير مركز الأبحاث الأسبق في المنظمة)، وبولس فرح ... وغيرهم.

ملفات أخرى متعلفة