الفاتورة الإسرائيلية للعدوان على غزة

علي بدوان
الاثنين ٠١ ٠٩ / ٢٠١٤
انتهت مبدئيًّا تلك الجولة العدوانية الأخيرة التي شنها الكيان الصهيوني على الشعب الفلسطيني المُحاصر في قطاع غزة، حرب دولة تمتلك جيشًا تِقنيًّا "عرمرمًا" في مواجهة مدينة مُحاصرة، وشعب شبه أعزل، مع الاستخدام الكثيف والمروّع لسلاح الجو، الذي ألقى من الحمم النارية على القطاع ما يعادل مفعول أربع قنابل من قنبلة (هيروشيما) النووية التي ألقاها سلاح الجو الأميركي على تلك المدينة اليابانية مع نهاية الحرب الكونية الثانية في آب (أغسطس) 1945م.

انتهت تلك الجولة من الحرب بعد أن صمد الفلسطينيون في غزة أمام حرب ضروس، كانت حربًا قاسية جدًّا بكل المقاييس، حرب الطحن والتقطيع والقتل بلا هوادة، كان يومها الأخير يومًا تصعيديًّا بامتياز، بدأ بتكثيف تدمير الأبراج السكنية باستهداف برجي المُجمع الإيطالي والباشا بعد تدمير برج الظافر.

انتهت تلك الجولة من الحرب، وظل رد المقاومة الفلسطينية _وفي الطليعة منها كتائب الشهيد عز الدين القسام وسرايا القدس_ متواصلًا حتى اللحظة الأخيرة، إذ أُطلقت صواريخ المقاومة باتجاه العمق المحتل عام 1948م وعلى تل الربيع.

صمود الغزيين
لقد مثل صمود الشعب الفلسطيني وعامة الناس في قطاع غزة في مواجهة العدوان أحد أهم مكوّنات الانتصار، بل المُكوّن الرئيس للانتصار، فكل صمود لا يمكن أن يتحقق دون توافر الإرادة عند الناس، ودون تضحيات وشهداء وأبطال، وكل التضحيات المرافقة لأي صمود أو انتصار هي إحياء من جديد للروح الوطنية واستدعاء لروح المقاومة، وهو ما قدّمه الفلسطينيون في قطاع غزة بسخاء مُنقطع النظير، فكان هذا الصمود وتلك التضحيات العنوان الرئيس للانتصار.

لقد بدا للجميع وللإسرائيليين قبل غيرهم في تمام اليوم الخمسين للحرب العدوانية الإسرائيلية على القطاع أن "الجرف الصامد" انهار وبات "جرفًا غير صامد"، وفتح الطريق أمام شطب المُستقبل السياسي لبنيامين نتنياهو، الذي طبل وزمر لحربه الأخيرة على القطاع، مُعتقدًا أن حصادها سيكون بتدمير حركتي حماس والجهاد وباقي فصائل المقاومة، واقتلاع أظافر الفلسطينيين على حد تعبيره، لمصلحة صعوده ملكًا مُتوجًا في ساحة ملوك الكيان العبري وسط تل الربيع.

هذه هي المحصلة الأولية من الزاوية الإسرائيلية الداخلية لأطول حرب خاضها الكيان الصهيوني على قطاع غزة، وعلى قوى المقاومة، وفي طليعتها كتائب القسام وسرايا القدس وغيرها.

انقسام (كابينيت)
إن منعكسات ونتائج مرحلة ما بعد الحرب المجنونة على القطاع والمعنونة إسرائيليًّا بعملية "الجرف الصامد" سَتجر نفسها على الحالة الداخلية في التشكيلة السياسية والحزبية والائتلافية الإسرائيلية، إذ وجد نتنياهو نفسه أمام انهيار هائل على الصعيد الشعبي، كما حصل مع من سبقه.

فرؤساء بلديات في الجنوب يعدون اتفاق وقف النار خنوعًا لـ"الإرهاب الفلسطيني"، ويدعون سكان مستعمرات غلاف غزة إلى عدم العودة إليها، وعلى هذا يُتوقع أن تُؤذن المرحلة التالية بفتح النار من كل الجبهات الداخلية الإسرائيلية على بنيامين نتنياهو وعلى الحكومة، فالحلبة السياسية للكيان العبري هائجة مائجة على حد تعبير الصحافة الإسرائيلية، وهنا علينا أن نستعرض العناوين التالية التي تتحدث عن "ما بعد غزة" في مسارات الوضع الداخلي الإسرائيلي:

أولًا: لم يصوت على قرار الموافقة على الاتفاق مع الطرف الفلسطيني في المجلس الوزاري المصغر (الكابينيت)، إذ تشير المعلومات إلى أن نصف أعضاء المجلس الوزاري المصغر الثمانية عارضوا ما توصل إليه مع الطرف الفلسطيني بالمفاوضات غير المباشرة، وعلى رأسهم زُبدة المُتطرفين من عتاة اليمين القومي العقدي الصهيوني واليمين التوراتي: وزير الخارجية أفيغدور ليبرمان، ووزير الاقتصاد نفتالي بينت، ووزير الأمن الداخلي إسحق أهرونوفيتش، وجلعاد أردان، وربما نسبة المعارضة داخل الحكومة أكبر، ولا سؤال لدى هؤلاء سوى: "كيف بعد خمسين يومًا من الحرب نضطر إلى قبول واقع كنّا نرفضه من قبل؟!".

التفاوض تحت النار
ثانيًا: إن القصة في نظر الكثيرين من الإسرائيليين تكتيكية وإستراتيجية، إذ يُشير المعلق السياسي في القناة الثانية للتلفزة الإسرائيلية أمنون أبراموفيتش إلى أن حكومة نتنياهو فشلت في إدارة الصراع، والأهم أنها اضطرت _وهي التي ترفع شعار عدم التفاوض تحت النيران_ إلى التفاوض على وقف النار تحت النار، وهو ما لم يكن ليحدث في حروب الكيان السابقة حتى مع الدول العربية.

ثالثًا: بدأت مكانة نتنياهو وحكومته ومعهما جيش الاحتلال في التدهور لدى الجمهور الإسرائيلي، فالإهانات التي يوجهها وزراء إلى رئيس أركان الجيش، وإهانة بعض الوزراء لبعض ولرئيسهم بنيامين نتنياهو؛ سادت الأجواء العامة في مركز صناعة القرار السياسي والأمني والعسكري طوال أيام العدوان على القطاع.

فللإسرائيليين موقفان: واحد يقول إن الاتفاق جيد مع الفلسطينيين، إذ لم تنل المقاومة الميناء ولا المطار، وجُلبت للاتفاق رغمًا عنها، وآخر يعد ما جرى هزيمة كبيرة، وبين هذا وذاك، هناك من يقول: "إنه كان أمام (إسرائيل) خيار واحد، هو الحسم العسكري"، وهو يتطلب معركة قاسية ومُكلفة على مُختلف الصعد، وهو الرأي الذي يُمثّل مواقف عتاة اليمين واليمين المتطرف في المجلس الوزاري المصغر (كابينيت) وفي (الكنيست) بوجه عام.

رابعًا: أظهر استطلاع للرأي نشرته القناة الثانية في التلفزة الإسرائيلية تراجع تأييد الجمهور لرئيس الحكومة الإسرائيلية بأكثر من أربعين نقطة، وبحسب الاستطلاع إن (38%) من "الإسرائيليين" فقط يعدون أداء نتنياهو في الحرب جيدًا، وهي نسبة ضئيلة تُذكّر الجميع بما حدث لرئيس الحكومة الإسرائيلية الأسبق إيهود أولمرت في حربه في عام 2006م على لبنان.

والأدهى أن هذا التأييد هبط خلال الأيام الأربعة الأخيرة من العدوان إلى نحو (55%)، بعدما كان نتنياهو قد نال (82%) من التأييد عندما أمر بشن العملية البرية، وتدمير المواقع الفلسطينية الموجودة في بنك الأهداف الإسرائيلي، وظهر أن (90%) من "الإسرائيليين" غير راضين عن الاتفاق.

رياح الأزمات الداخلية
خامسًا: بدأت رياح الأزمات من الآن تضرب الائتلاف السياسي الحاكم للكيان العبري، فنتائج حصاد معركة الهجوم الوحشي على قطاع غزة لم تكن كما أراد الزارع الإسرائيلي، إذ بدأت تلك الحرب وفي جعبة نتنياهو الكثير من الأحلام والتوقعات والتصورات، لشطب المقاومة الفلسطينية، وتدمير قدراتها تدميرًا كاملًا؛ لدفع الفلسطينيين إلى رفع الأعلام البيضاء، والتسليم بما هو مطروح عليهم، لكن الوقائع على الأرض باتت تشي بشيء آخر، فلا صواريخ المقاومة توقفت، ولا قدرات الأجنحة الفدائية الفلسطينية انتهت.

وعليه؛ يتوقع أن تمر الساحة السياسية الداخلية للكيان بمراحل تسودها "دراما سياسية مُمزقة للأعصاب"، على حد تعبير كاتب إسرائيلي، وذلك في ظل مُستتبعات الحرب المجنونة الأخيرة، على شكل توالد استقطابات جديدة، وإعادة انتشار سياسية حزبية في مُجتمع يتميز بخصوبة الاستقطابات السياسية عند كل المنعطفات، حيث الانقسام في الرأي وتوالد الاختلافات العميقة تجاه القضايا التي تُبرزها الحياة السياسية والإعلامية والاجتماعية والاقتصادية، وتزداد الانقسامات عمقًا في بعض الحالات؛ تمهيدًا لخطوات سياسية مُختلفة قد تقود نحو تفكك الائتلاف الحالي في الكيان العبري، وبذلك العودة إلى طرح موضوع الانتخابات البرلمانية المُبكرة لـ(الكنيست) العشرين القادمة.

قصارى القول: خرج الفلسطينيون من محنة قطاع غزة مع أن آلامهم لا توصف نتيجة ما ذاقوه من استخدام عنيف وغير مسبوق للقوة بحقهم وهم أكثر تماسكًا من ذي قبل، فالوفد الفلسطيني الموحد صمد في وجه كل الألاعيب والمناورات، واستطاع أن يحقق الحد الأدنى من المُمكن بأفق وطني، يفتح الطريق أمام مراكمة النتائج الإيجابية، كما خرجت المقاومة بجسمها الرئيس وهي متماسكة أيضًا، في حين خرج نتنياهو من تلك الحرب مجللًا بهزيمة سياسية داخلية ستلقي بظلالها على حياته السياسية التي باتت تقترب من نهايتها.

ملفات أخرى متعلفة