مَن خوَّلكم ذلك؟!

د. أحمد محيسن
الأربعاء ١٠ ٠٩ / ٢٠١٤
لنسلم جدلًا بذلك بأن قرار السلم والحرب هو قرار وطني فلسطيني، وأنه ليس هناك قرار حرب وسلم بيد جهة واحدة، وإنما بيد جهة وقرار واحد وبندقية واحدة، وهي السلطة المركزية الفلسطينية.

قلتم ذلك، ولم تكملوا بقية الكلام الذي يؤهلكم لقوله، تماماً كمن قال: "لا تقربوا الصلاة"، وتوقف عن إكمال بقية الآية الكريمة، وهذا لا يمكن إلا أن يكون المراد منه باطلًا.

يكون ذلك مئة بالمئة قولًا سليمًا أن قرار الحرب والسلم هو بيد السلطة، إذا كانت هذه الجهة السلطوية منتخبة من الشعب الذي سيتخذ ذلك القرار باسمه، وليست متسلطة عليه، وتعمل على إنجاز التحرير الكامل بكل السبل، وتطلق يد المقاومة، وتكون في حال يؤهلها لاتخاذ ذلك القرار، ومرجعيتها في ذلك هي الشعب كله الذي منحها صوته، وخولها اتخاذ أي قرار يصب في مصلحته.

ويكون ذلك قولًا سليمًا عندما تكون هذه السلطة لدولة مستقلة ذات سيادة كاملة، ولها مؤسساتها وجيشها ورئيسها ووزراؤها وهيئاتها الرسمية، التي ترجع إليها في اتخاذ هذا القرار وغيره من قرارات؛ ليتحمل المكون السلطوي بتخويل من الشعب الذي انتخبه بكل أركانه نتائج ذلك.

ويكون ذلك صحيحًا عندما تكون هذه السلطة سيادية، وقرارها مستقل، ولا تخضع للابتزاز والضغوط، ولا تعتاش على ما يلقيه لها المانحون من فتات الدعم المادي لتبقى على قيد الحياة، وثمن ذلك هو الرضوخ لكل أوامر هذه الدول المانحة، وتلبية طلباتها التي تتعارض جلها والمصلحة العليا للوطن.

وإلا فهل ما تتخذه هذه السلطة وما يتخذه قائل هذه المقولة من قرارات مصيرية لشعبنا هي قرارات بتخويل من الشعب الفلسطيني؟!، فمن خوَّلكم ذلك؟!، وما مرجعية هذه السلطة في اتخاذ كل ما يتخذ من قرارات مصيرية؟، هل هو الشعب الفلسطيني بمعظم مكوناته؟!، فمن خوَّلكم ذلك؟!

ومن يحاسب السيد محمود عباس وهو يتخذ قراراته المتعددة باسم الشعب الفلسطيني دون مرجعية حقيقية؟!، فمن خوَّلكم ذلك؟!

ومن يتخذ قرار إذابة منظمة التحرير الفلسطينية فيما يسمونه السلطة لتصبح خانة صغيرة في دوائر السلطة؟!، فمن خوَّلكم ذلك؟!

ومن يتخذ قراراته بعدم دعوة القيادة والإطارات الموسعة المؤقتة لمنظمة التحرير حسب اتفاق القاهرة؟!، أليس هو محمود عباس وحده ومعه من يبصم له بذلك؟!، فمن خوَّلكم ذلك؟!

ومن يتخذ قرارًا فرديًّا بعدم دعوة المجلس الوطني الفلسطيني (أي البرلمان الفلسطيني) للانعقاد، وإجراء انتخابات لمجلس وطني جديد، بدل هذا المجلس الوطني الذي لم ينعقد منذ أكثر من عقدين ونصف العقد من الزمن، ومعظم أعضائه إما شاخ أو انتقل إلى رحمة الله؟!، فمن خوَّلكم ذلك؟!

ومن اتخذ القرار باستمرار هذه المفاوضات العبثية التي استمرت أكثر من عقدين من الزمن، وما زالت مستمرة إلى يومنا هذا، وقد أجمعتم كلكم على أنها عبثية، ومع ذلك تبحثون عن استمرارها بأي غطاء وحجة؟!، فمن خوَّلكم ذلك؟!
ومن قرر للشعب الفلسطيني قمع انتفاضته، وإنهاءها، وعدم السماح لشعبنا بالتصدي للعدوان في تظاهراته ومسيراته، والزج بنشطائه في سجون السلطة؟!، فمن خوَّلكم ذلك؟!

ومن قرر لشعبنا استجلاب (دايتون) إلى الضفة الغربية المحتلة، وتكوين أجهزته القمعية التي تؤمن حماية الاحتلال، وتمنع التصدي لقواته وقطعان مستوطنيه في الضفة المغتصبة؟!، فمن خوَّلكم ذلك؟!

ومن قرر لشعبنا سحب تقرير (غولدستون) الذي يجرم الاحتلال من الهيئات الدولية التي تتيح لنا مطاردة مجرمي الحرب الصهاينة وتقديمهم إلى العدالة الدولية؟!، فمن خوَّلكم ذلك؟!

ومن اتخذ القرار بعدم توقيع معاهدة روما وميثاقها.. التي تتيح لنا تقديم مجرمي دولة الكيان الصهيوني لمحكمة الجنايات الدولية ومطاردتهم في كل أنحاء العالم ومحاكمتهم؟!، فمن خوَّلكم ذلك؟!

ومن أرسلكم إلى كل المحطات التفاوضية التي أجريتموها باسم الشعب الفلسطيني لغاية هذه اللحظة: (أنابوليس وهرتسيليا وواي ريفر وواي بلاتتيشن والرباعية) وغيرها وغيرها، وليس آخرها مفاوضات الأشهر التسعة التي ستتبعها أخرى عبثية، ولا ندري ماذا ستسمونها؟!، فمن خوَّلكم ذلك؟!

إن الشعب الذي يرزح تحت الاحتلال يجب أن تبقى جاهزيته لمقاومة المحتل في أحسن حال، ويجب أن تبقى يد الثوار مستعدة قابضة على الزناد، والثورة عندما انطلقت كان قرارها واضحًا لا لبس فيه: (مقاومة المحتل)؛ فالقرار اتخذ عندما انطلق ياسر عرفات وإخوته ورفاقه ومن سبقهم بالثورة من أجل التحرير الكامل، واعتماد الكفاح المسلح خيارًا إستراتيجيًّا وحيدًا، ولم ينتظروا إذنًا من أحد.

وقرار المقاومة اتخذه شعبنا كله، وأكد تمسكه به في انتفاضاته المجيدة، وولدت حركات المقاومة الفلسطينية أيضاً لتنضم إلى شقيقاتها، وهي المكملة لتأجيج ثورة شعب الجبارين على الاحتلال، فأنجب شعبنا "حماس" و"الجهاد" والألوية والكتائب المتعددة لمقاومة الاحتلال، ولم ينتظر شعبنا إذنًا من أحد، وقدمت فصائل شعبنا المقاومة الشهداء تلو الشهداء، وقدمت خيرة قياداتها على درب الشهادة من أجل التحرير، ولم تستأذن أحدًا للسماح لها بالدفاع عن الأرض والعرض والإنسان بكل السبل، وفي مقدمتها الكفاح المسلح.

إن قرار مقاومة المحتل هو قرار شعبي جماهيري طبيعي تلقائي، يرافق الفلسطيني في رحم أمه ويولد معه؛ لأن كل القوانين والشرائع الأرضية والسماوية تحلل وتفرض مقاومة المحتل الذي يغتصب الأرض، ويهجر أهلها، ويتابع ذلك بإذلال أهلها وتشريدهم.

أي سلطة هذه؟!، وأي قيادة ثورية هذه لشعب تحت الاحتلال تقف في وجه مقاومته وتجرمها، وتحملها مسؤولية اندلاع حرب عدوانية على أبناء شعبها؟!

من يقل الألف فعليه قول الباء، ومن يرِد قيادة شعب تحت الاحتلال فليكن أولًا ثوريًّا مقاومًا، وليكن في أول صفوف المقاومة في الخنادق المتقدمة في مجابهة المحتل، وليذهب لتفقد أحوالهم، وليترحم على شهدائهم على الأقل بعد العدوان، وليرَ أحوال الشجاعية وخان يونس وخزاعة، وحي التفاح وبيت حانون ورفح والنصيرات، وحي الزيتون ومخيم الشاطئ ودير البلح، بل كل بقعة من هذا القطاع العزيز المقاوم، الذي بانتصاره على الاحتلال أعاد لنا كرامتنا وعزتنا ورفع رؤوسنا عاليًا، بعكس المفاوضات العبثية التي أحرقت اليابس والأخضر.

بدل من أن تكونوا مع شعبكم تضمدون جراحه وتحتفلون بتحقيق النصر المبين تطعنون مقاومته في ظهرها من الخلف، والمقاومة الفلسطينية وأذرعها هي مقاومة من كل مكونات فصائل شعبنا المقاوم، التي نرفع لأسودها القبعة إجلالًا وتقديرًا واحترامًا.

ونترحم على شهداء أمتنا وهم وقود هذه الثورة، الذين ضحوا بدمائهم من أجل التحرير ونيل الحرية والاستقلال.

كفاكم مهاترة، و"علك كلام إنشائي" يسمم بدن المتلقي له، تتهربون به من استحقاقات أنتم وقعتم عليها، وتنقضون ميثاقكم وعهدكم، وتلحسون كلامكم، وتخليتم عن جزء مهم من شعبكم، كما في كل مرة.

قصروا الطريق عليكم، ولن تنفعكم الكراسي ولا المناصب ولا الألقاب والامتيازات ولا دولارات المانحين؛ فالشعوب تمتلك أقوى جهاز رصد ومتابعة، ولن ترحم المتخاذلين.

ملفات أخرى متعلفة