دلالات في أزمات «الليكود»

علي بدوان
الجمعة ١٠ ١٠ / ٢٠١٤
يواجه حزب الليكود الذي يقود الائتلاف الحكومي في الدولة العبرية، حالة من التململ والتذمر داخل صفوفه، وحتى داخل الائتلاف الحاكم بشكلٍ عام في مسار صراعاته مع الكتل المؤتلفة معه، ومنها حزب أفيغدور ليبرمان (إسرائيل بيتنا)، فحزب الليكود الذي يقود الائتلاف الحاكم يواجه الآن مرحلة صعبة بعد هزات ارتجاجية طاولت أوضاعه الداخلية في العامين الأخيرين وتواصلت بعد العملية العسكرية الأخيرة ضد قطاع غزة، وقد خسر خلالها حزب الليكود كتلة هامة من قاعدته في المجتمع الإسرائيلي، خصوصاً من اليهود الشرقيين (السفارديم) الذين كانوا على الدوام القاعدة الانتخابية العريضة لحزب الليكود في مواجهة اليهود الغربيين الذين كانوا يُمثلون القاعدة العريضة الانتخابية لحزب العمل وأحزاب ما يُسمى باليسار .

لقد بات الليكود يخسر مع مرور الوقت مكانته بشكلٍ متزايد، وفوق ذلك خسارته عدداً من أبرز شخصياته السياسية خلال العقد الأخير من الزمن، من الذين أصبحوا خارج إطار الحزب، ومنهم من كان يطلق عليهم لقب «أمراء الليكود»، وعلى رأسهم دان ميريدور وبني بيغن وغيرهما من سلالة أبناء القادة التاريخيين المؤسِّسين لهذا الحزب ورجالاتهم، والذين جاؤوا من رحم الحزب الأم لحزب الليكود (حزب حيروت)، الآتي أصلاً من ينابيع المدرسة الأيديولوجية للمتطرف الصهيوني فلاديمير جابوتنسكي (جوزف ترامبلدور) .

لكن ما لا يقل أهمية عن ذلك هو تعبيرات استقالة وزير الداخلية من الليكود جدعون ساعر في هذه الفترة بالذات، والتي تؤشر الى وجود قصور وسوء تقدير للموقف عند نتانياهو ومجلس وزرائه المصغر قبل العملية العسكرية الأخيرة على القطاع أولاً، ولوجود أزمة سياسية كبيرة داخل الحزب الحاكم في إسرائيل ثانياً، ولوجود مشكلة بنيوية تنظيمية داخل الليكود وداخل هيئاته ثالثاً. ولوجود مُنغصات كبيرة داخل الائتلاف الحاكم رابعاً، حيث المناكفات اليومية بين نتانياهو والشريك الائتلافي الرئيسي أفيغدور ليبرمان .

وفي واقع الأمر، فإن لبروز ظاهرة التيارات والمنابر داخل عموم الأحزاب الإسرائيلية وتفاقمها والتقديرات التي تشير إلى إمكان اتساعها لاحقاً، جملة من الأسباب الخارجية والداخلية، أولها السبب السياسي المُتعلق بقصور الأحزاب وعموم "الإنتلجنسيا" الإسرائيلية عن تقديم الإجابات المتعلقة بشأن الأسئلة المطروحة على المجتمع الإسرائيلي والدولة العبرية بشكل عام .

وثانيها، وجود جدلٍ عام حول القضايا التي تُعتبر أساسية من وجهة نظر الوسط اليهودي، كمُستقبل الدولة العبرية والمفاوضات مع الفلسطينيين ومصير العملية السياسية المتوقفة معهم، والعلاقات مع الدول العربية، وموضوع الملف النووي الإيراني، وهو الجدل الذي مازال مُستعراً من دون حسم ومن دون التوصل الى نقاط تقاطع بين مكونات الخريطة الحزبية في إسرائيل، وحتى داخل الحزب الواحد، وهو ما ساعد ويساعد على نشوء ظاهرة تعدد المنابر والانقسامات .

وثالثها، الأسباب المتعلقة بالعوامل الداخلية الإسرائيلية، حيث تنمو ظاهرة العودة إلى الجذور الإثنية والقومية، خاصة عند اليهود الجدد الذين قدموا للاستيطان والاستعمار في فلسطين خلال العقد الأخير من القرن الماضي من جمهوريات الاتحاد السوفياتي السابق، وعددهم يفوق المليون ونصف المليون نسمة، فهم يُمثلون الهجرة الاستيطانية الأكبر في تاريخ الحركة الصهيونية والدولة العبرية .

ورابعها، اتساع الهوة الطبقية بين قطاعات اليهود في إسرائيل، بين الفقراء والأغنياء، وبين القاعدة العريضة اليهودية السفاردية الشرقية التي تُشكل قاعدة الأحزاب وبنية الجيش البشرية التحتية (أداة إسرائيل المقاتلة) وبين الفئات اليهودية الأشكنازية الغربية التي يُمثّل أفرادها أبناء الست مقابل أبناء الجارية من يهود السفارديم.

فأغلبية الفقراء هم من السفارديم، فيما الأشكناز يمثلون أغلبية ثرية. إن تلك الهوة تزداد بين الشرقيين والغربيين، بين الفقراء والأغنياء، وهي تدفع بدورها باتجاه خلق الكتل والمحاور والمنابر والصراعات داخل عموم الأحزاب في إسرائيل، وتؤشر الى وجود أزمات كامنة في عمق المجتمع الإسرائيلي تُمثل في جوهرها «أزمة هوية» خاصة بها، إضافة الى أزمتها الطبقية الاقتصادية المتنامية.

ملفات أخرى متعلفة