من يدخل الجنة بلا حساب

عبد الفتاح حمودة
الجمعة ٠٧ ١١ / ٢٠١٤
إن من سعة رحمة الله (تعالى) بأمة النبي (صلى الله عليه وسلم) أن أسقط الحساب عن جمع منهم, وهي ميزة خاصة لهؤلاء الناس من بين أمة النبي (صلى الله عليه وسلم)؛ لما تحققت فيهم أفضل الفضائل, وأشرف الأعمال, فقد روى البخاري (رحمه الله تعالى) في صحيحه عن ابن عباس (رضي الله عنهما) عن النبي (صلى الله عليه وسلم) قال: "عُرِضَتْ عَلَيَّ الأُمَمُ فَجَعَلَ النَّبِيُّ وَالنَّبِيَّانِ يَمُرُّونَ مَعَهُمْ الرَّهْطُ، وَالنَّبِيُّ لَيْسَ مَعَهُ أَحَدٌ حَتَّى رُفِعَ لِي سَوَادٌ عَظِيمٌ، قُلْتُ: "مَا هَذَا؟، أُمَّتِي هَذِهِ؟"، قِيلَ: "بَلْ هَذَا مُوسَى وَقَوْمُهُ"، قِيلَ: "انْظُرْ إِلَى الأُفُقِ"، فَإِذَا سَوَادٌ يَمْلأُ الأُفُقَ، ثُمَّ قِيلَ لِي: "انْظُرْ هَا هُنَا وَهَا هُنَا فِي آفَاقِ السَّمَاءِ"، فَإِذَا سَوَادٌ قَدْ مَلأَ الأُفُقَ"، قِيلَ: "هَذِهِ أُمَّتُكَ وَيَدْخُلُ الْجَنَّةَ مِنْ هَؤُلاءِ سَبْعُونَ أَلْفًا بِغَيْرِ حِسَابٍ"، ثُمَّ دَخَلَ وَلَمْ يُبَيِّنْ لَهُمْ، فَأَفَاضَ الْقَوْمُ وَقَالُوا: "نَحْنُ الَّذِينَ آمَنَّا بِاللَّهِ وَاتَّبَعْنَا رَسُولَهُ؛ فَنَحْنُ هُمْ أَوْ أَوْلادُنَا الَّذِينَ وُلِدُوا فِي الإِسْلامِ، فَإِنَّا وُلِدْنَا فِي الْجَاهِلِيَّةِ؟"، فَبَلَغَ النَّبِيَّ (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) فَخَرَجَ، فَقَالَ: هُمْ الَّذِينَ لا يَسْتَرْقُونَ وَلا يَتَطَيَّرُونَ وَلا يَكْتَوُونَ وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ ..".

وقد بين النبي (صلى الله عليه وسلم) صفة هؤلاء المؤمنين, فقد روى مسلم في صحيحه من حديث جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ، وفيه: "ثُمَّ يَنْجُو الْمُؤْمِنُونَ فَتَنْجُو أَوَّلُ زُمْرَةٍ وُجُوهُهُمْ كَالْقَمَرِ لَيْلَةَ الْبَدْرِ سَبْعُونَ أَلْفًا لا يُحَاسَبُونَ ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ كَأَضْوَاء نَجْمٍ فِي السَّمَاءِ ثُمَّ كَذَلِكَ".

فهذا الحديث يبين أن هنالك فئة من هذه الأمة يدخلون الجنة من غير حساب, ولا يعني ذلك أن عدد أهل الجنة من هذه الأمة سبعون ألفًا، بل إن هؤلاء السبعين ألفًا المشار إليهم في الحديث قد اختصوا بمزايا خاصة، لذلك هم في منزلة عالية, وقدر رفيع مميز من منازل المؤمنين في الجنة.

ولا يفهم من هذا الحديث عدم استعمال الرقية أو الكي في العلاج، بل إنهم قد يفعلونها، ولكنهم لا يطلبونها, فاستحقوا هذا الثواب العظيم من الله (تعالى), وهؤلاء ليسوا في زمان دون آخر، بل من تتوافر فيهم تلك الصِّفَات على مَرّ الزمان، وهُم قِلّة في المؤمنين .

وقد جاءت السنة الصحيحة ببيان سعة رحمة الله (تعالى) بعباده المؤمنين, فهؤلاء السبعون ألفًا مع كل ألف منهم سبعون ألف آخرون يشاركونهم في الأجر والتميز, وثلاث حثيات من حثيات الله (تعالى), فقد روى ابن ماجة في سننه من حديث أبي أُمَامَةَ عَنْ النَّبِيِّ (صلى الله عليه وسلم) قَالَ: "وَعَدَنِي رَبِّي (عَزَّ وَجَلَّ) أَنْ يُدْخِلَ الْجَنَّةَ مِنْ أُمَّتِي سَبْعِينَ أَلْفًا بِغَيْرِ حِسَابٍ وَلا عَذَابٍ مَعَ كُلِّ أَلْفٍ سَبْعُونَ أَلْفًا وَثَلاثَ حَثَيَاتٍ مِنْ حَثَيَاتِ رَبِّي (عَزَّ وَجَلَّ)"، نسأل الله (سبحانه) أن يجعلنا منهم.

وكذا أخبر النبي (صلى الله عليه وسلم) أن عدد أهل الجنة من هذه الأمّة هو ثلثا العدد الإجمالي لأهل الجنة، فيدخل الجنة من أمّة محمد (صلى الله عليه وسلم) أكثر ممن يدخلها من كلّ الأمم السابقة مجتمعين, فقد روى البخاري في صحيحه أن النبي (صلى الله عليه وسلم) قال لأصحابه: "أَتَرْضَوْنَ أَنْ تَكُونُوا رُبُعَ أَهْلِ الْجَنَّةِ؟"، قُلْنَا: "نَعَمْ"، قَالَ: "أَتَرْضَوْنَ أَنْ تَكُونُوا ثُلُثَ أَهْلِ الْجَنَّةِ"، قُلْنَا: "نَعَمْ"، قَالَ: "أَتَرْضَوْنَ أَنْ تَكُونُوا شَطْرَ أَهْلِ الْجَنَّةِ؟"، قُلْنَا: "نَعَمْ"، قَالَ: "وَالَّذِي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ إِنِّي لأَرْجُو أَنْ تَكُونُوا نِصْفَ أَهْلِ الْجَنَّةِ وَذَلِكَ أَنَّ الْجَنَّةَ لا يَدْخُلُهَا إِلا نَفْسٌ مُسْلِمَةٌ وَمَا أَنْتُمْ فِي أَهْلِ الشِّرْكِ إِلا كَالشَّعْرَةِ الْبَيْضَاءِ فِي جِلْدِ الثَّوْرِ الأَسْوَدِ أَوْ كَالشَّعْرَةِ السَّوْدَاءِ فِي جِلْدِ الثَّوْرِ الأَحْمَرِ"، وفي رواية الترمذي: "أَهْلُ الْجَنَّةِ عِشْرُونَ وَمِائَةُ صَفٍّ: ثَمَانُونَ مِنْهَا مِنْ هَذِهِ الأُمَّةِ وَأَرْبَعُونَ مِنْ سَائِرِ الأُمَمِ"، والله (تعالى) أعلى وأعلم.

ملفات أخرى متعلفة