حرمة سب الدهر

عبد الفتاح حمودة
الجمعة ١٢ ١٢ / ٢٠١٤
من الألفاظ المخلة بالتوحيد ما يتداوله كثير من الناس من سب الدهر, كمن يسب الساعة أو الثانية أو الدقيقة أو الشهر أو اليوم أو السنة، أو أي شيء يتعلق بالزمان.

وقد جاء الشرع بالنهي عن ذلك نهيًا أكيدًا, ففي الحديث المتفق عليه من حديث أبي هريرة قال النبي (صلى الله عليه وسلم): "قال الله (عز وجل): (يؤذيني ابن آدم يسب الدهر، وأنا الدهر، بيدي الأمر أقلب الليل والنهار)", ولا يدل ذلك أن الله (تعالى) هو ذاته الدهر, فالدهر ليس اسمًا لله (تعالى), وإنما يقدر الحديث بأن الله (تعالى) خالق الدهر.

وقد بين ابن عثيمين أن ساب الدهر لا يخلو من حالات ثلاث ذكرها في كتابه المفيد (القول المفيد على كتاب التوحيد): "الأول: أن يقصد الخبر المحض دون اللوم; فهذا جائز، مثل أن يقول: "تعبنا من شدة حر هذا اليوم أو برده"، وما أشبه ذلك; لأن الأعمال بالنيات، ومثل هذا اللفظ صالح لمجرد الخبر، ومنه قول لوط (عليه الصلاة والسلام): {هَذَا يَوْمٌ عَصِيبٌ} .

الثاني: أن يسب الدهر على أنه هو الفاعل، كأن يعتقد بسبه الدهر أن الدهر هو الذي يقلب الأمور إلى الخير والشر، فهذا شرك أكبر؛ لأنه اعتقد أن مع الله خالقًا; لأنه نسب الحوادث إلى غير الله، وكل من اعتقد أن مع الله خالقًا فهو كافر، كما أن من اعتقد أن مع الله إلهًا يستحق أن يعبد فإنه كافر.

الثالث: أن يسب الدهر ليس ذلك لاعتقاده أنه هو الفاعل، بل يعتقد أن الله هو الفاعل، لكن يسبه لأنه محل لهذا الأمر المكروه عنده; فهذا محرم، ولا يصل إلى درجة الشرك، وهو من السفه في العقل والضلال في الدين; لأن حقيقة سبه تعود إلى الله (سبحانه); لأن الله (تعالى) هو الذي يصرف الدهر، ويُكَوِّن فيه ما أراد من خير أو شر، فليس الدهر فاعلًا، وليس هذا السب يُكَفِّر; لأنه لم يسب الله (تعالى) مباشرة".

وعلى ذلك يجب أن يبتعد المسلم عن قول هذه الألفاظ؛ خشية الوقوع في الشرك دون أن يعلم، وذلك إذا انعدمَ معه الرَّجاء في رحمة الله (تعالى) وفرجه وعفوه, وكان إنكاراً واستبعاداً لسَعَة رحمته (سبحانه) ومغفرته وعفوه؛ فهو كفرٌ؛ لأنَّه يتضمَّن تكذيبَ القرآن والنُّصوص القطعيَّة، وإساءة الظَّنِّ بالله (تعالى)، إذ يقول (تعالى): {وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ} (الأعراف: 156).

وعليه إذا كان اليأس والقنوط محرمين؛ فإن الفأل والأمل هما ما يجب أن يكون عليهما المسلم، فعن أنس بن مالك (رضي الله عنه) أن رسول الله (صلى الله عليه وسلم) قال: "لاَ عَدوى ولاَ طِيرة, ويُعجبنِي الفَأل", قَالوا: "وما الفأل؟"، قَال: "كلمةً طيبة"، وفِي رواية: "ويُعجبني الفأل الصالح الكَلمةُ الحسَنة"، والله (تعالى) أعلم.

ملفات أخرى متعلفة