التزام السنة بأي معنى؟

د.تيسير إبراهيم
الجمعة ٠٢ ٠١ / ٢٠١٥
الآيات، والأحاديث الحاثة على التزام السنة، والآمرة بتعظيمها كثيرة جدًا، ولا تخفى على مسلم، بعض تلك الأحاديث رتبت على التزام السنة العصمة من الضلالة كقوله صلى الله عليه وسلم: "تركت فيكم ما إن تمسكتم به لن تضلوا بعدي أبدًا كتاب الله وسنتي"، إلا أنَّ السؤال بالغ الأهمية يتعلق بالمعنى المراد من التزام السنة، والتي يترتب على التمسك بها العصمة من الضلالة.

للأسف, فإنَّ كثيرًا من المسلمين إذا أطلق لفظ السنة انصرف ذهنه إلى تلك السنن ذات العلاقة بالأكل، والشرب، واللباس؛ وكما يقال سبق الذهن علامة الحقيقة فكأنَّ حقيقة السنة أصبحت في أذهان هؤلاء هي ما ذكر؛ لذا من الملاحظ انتشار مقولة فلان ليس على السنة؛ لأنه لا يلبس الجلابية، أو العمامة، أو لا يشرب جالسًا.

فهل هذه هي السنة التي أرادها النبي صلى الله عليه وسلم؟ وهل هذه هي السنة التي يترتب على التمسك بها العصمة من الضلالة؟!

بتسريح النظر قليلًا في أحاديث المصطفى يعود المرء بقناعة راسخة أنَّ المراد بالسنة أعمق، وأشمل مما فهمه هؤلاء بكثير؛ فعلى سبيل المثال يقول رسول الله صلى الله عليه وسلم لما علم بالثلاثة نفر الذين جاؤوا بيوت أزواجه فقال أحدهم أمّا أنا فإني أصلي الليل أبدًا، وقال آخر أنا أصوم الدهر ولا أفطر، وقال آخر أنا أعتزل النساء فلا أتزوج أبدًا, فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: أما والله إني لأخشاكم لله، وأتقاكم له، ولكني أصوم وأفطر، وأصلي، وأرقد، وأتزوج النساء فمن رغب عن سنّتي فليس منّي.

فما هي السنة التي قصدها رسول الله من قوله: "فمن رغب عن سنّتي فليس منّي"؟ إنها سنة التوسط، والاعتدال في الأمور كلها، وما ذِكرُ الصوم، والقيام، والزواج إلا لأنها التي ورد ذكرها في قول الثلاثة نفر.
وحينها فأحق من يوصف بأنه ليس على السنة هو المغالي الذي لا يلتزم هديه صلى الله عليه وسلم في التوسط، والاعتدال في الأمور كلها، وأحق من يوصف بأنه على السنة هو من يبتعد في شأنه كله عن طرفي الإفراط، والتفريط.

ولنأخذ حديثًا آخرَ وهو قوله صلى الله عليه وسلم "عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين من بعدي"، وقوله صلى الله عليه وسلم : "رجل من بني أمية يغير سنتي" فالمراد هنا أصالة من قوله صلى الله عليه وسلم: "عليكم بسنتي"، وقوله: "يغير سنتي" سنته في الحكم الرشيد؛ دلنا على ذلك قوله: وسنة الخلفاء الراشدين، وسنتهم الرشد في الحكم، بما يقيمونه بين الناس من العدل، والإنصاف، والبعد عن الجور، وبما يرسخونه من مبادئ الحكم الرشيد المتعلقة بتفعيل الشورى، والعدل، ورعاية حقوق الناس؛ وعليه فإنَّ أجدر من يوصف بأنه ليس على السنة هم أولئك الحكام الذين يغيب الرشد عن حكمهم، بغياب العدل، وحلول الظلم، أولئك الذين يغيبون إرادة الأمة في اختيار من يحكمها بإحلال إراداتهم الخاصة بتعيين أنفسهم رغمًا عن الأمة.

ولنأخذ حديثًا ثالثًا يصرح فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم بسنته، وسنة المرسلين من قبله حيث قال: أربع من سنن المرسلين الحناء، والسواك، والتعطر، والنكاح.

ومع ما قد يبدو من عدم كبير الأهمية للسنن الثلاث الأُوَل حتى تجعل من سنن المرسلين جميعًا إلا أنَّ من يمعن في النظر يمكن أن يلمح ما هو أبعد من مجرد المظهر والشكل، فالسنن المذكورة سنن تجعل من الإنسان جميلًا مقبولًا غير مؤذٍ للناس، وهكذا ينبغي على المؤمن أن يكون حريصًا على أن يكون مقبولًا بين الناس لا يصدر عنه ما يؤذيهم لا في مظهره، ولا رائحة فمه، أو بدنه؛ وعليه فإنَّ أبعد الناس عن سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم أولئك الذين يحرصون على إرهاق الناس، وإيذائهم، فيجعلون بذلك الدين منفورًا منه غير متقبل.

ولو أخذنا حديثًا أخيرًا يجعل فيه رسول الله من التزم مساعدة الناس، والتعاون معهم وقت الضيق منه حيث قال صلى الله عليه وسلم: إنَّ الأشعريين إذا أرملوا في الغزو، أو قل طعام عيالهم في المدينة جمعوا ما لديهم في رداء واحد ثم اقتسموه بينهم بالسوية فإنهم مني، وأنا منهم".

وعليه فإنَّ الأبعد عن رسول الله وسنته صلى الله عليه وسلم أولئك الذين يعيشون لأنفسهم، ولا يأبهون لمعاناة الناس.

بهذا المعنى العميق للسنة الذي يشمل التوسط والاعتدال، والبعد عن الغلو، والذي يشمل العدل، والرشد في الحكم، والذي يشمل عدم إيذاء الناس، والحرص على معاونتهم وعيش همومهم، ندرك أنَّ في التزام السنة بهذا المعنى العميق عصمة من الضلالة، أما أن يكون معنى التزام السنة وإحيائها في مظاهر، وشكليات هي إلى العادات أقرب فإننا نجني على السنة جنايةً عظيمة، ونسيء إليها إساءةً بالغة.

ملفات أخرى متعلفة