إقرأ المزيد <


فرصة لأوباما ونتنياهو

بقلم- د. رعنان جيسين
كان الآباء المؤسسون للأمة الأمريكية، مثل محللين كثيرين يوافقون على أن انتخابات منتصف الولاية لمجلس النواب هي تصويتا بحجب الثقة عن نهج الرئيس أوباما، الذي جُمل على أجنحة الوعد بتجديد الأمل وبتغيير يخلص الولايات المتحدة من بئر حلم تحطم واقتصاد منهار. وكعظم الوعد كانت خيبة الامل والعقوبة وهي خسارة الأكثرية الديمقراطية في مجلس النواب.

من جهة كان آباء الأمة وفيهم مديسون وجفرسون يوافقون على التحقيق وفي رضى على أنه في حين فشل الرئيس، عمل جهاز الكوابح والموازنات الدستورية جيدا بعد أكثر من مئتي سنة كما توقعوا. من أجل أن تنتخب في أمريكا، يكفي المرشح أن يحظى بتأييد حزبه وناخبيه. ومن أجل الحكم، استحدث الآباء المؤسسون جهازا يوجب على الرئيس أن يأخذ معه في طريقه المعارضة أيضا.

إن القوة الحقيقية لرئيس يتولى عمله هي في قدرته على الإقناع وجعل نفسه وسياسته في مركز الخريطة السياسية. وكل عدول إلى اليسار واليمين عن مركز الخريطة السياسية وعن تراث الاقتصاد الحر والإدارة المحدودة والسعي نحو دولة الرفاهة، يواجه بكوابح عُرفت في الانتخابات الأخيرة.

ومن جهة أخرى كانت حركة الاحتجاج الشعبي، وحفل الشاي ونجاحه في إدخال مرشحين في مجلس النواب تعبيرا لا عن روح تمرد أبناء المستعمرات فقط بل عن إمكان أن يضبط الناخب الأمريكي جماح رئيس يستعمل قوته استعمالا مفرطا حتى لو كانت الأهداف سامية.

كان يمكن التنبؤ بإخفاق أوباما المتوقع. ما لم يستطع الآباء المؤسسون توقعه هو ما سماه المطرب بوب ديلن – "الأزمان المتغيرة". فأمريكا أوباما في 2010 هي أمريكا مختلفة. إن أمواج تسونامي اقتصادية وعسكرية وسياسية وسكانية تضرب شواطئ أمريكا. لكن إذا كانت أمريكا استطاعت في الماضي أن تختار خيار العزلة والانفصال عن العالم القديم فلم تعد قادرة. ففي عالم الانترنت وفي القرية العولمية، المشكلات التي يواجهها كل رئيس ذات بعد عولمي. من الإرهاب إلى التقنية إلى الاقتصاد ونظام الإنتاج ثم إلى النظام النقدي. لم يعد الدولار هو العملة المهيمنة في الأسواق الدولية. وما كان يمكن تلخيصه في الماضي بالمقالة المعروفة "انه الاقتصاد أيها الأحمق" من المناسب اليوم أن نقول فيه "إنها العولمة أيها الأحمق".

إليكم مثلين على تأثير العولمة والأزمان المتغيرة: ففي الحال بعد الانتخابات نشرت الصحيفة الأسبوعية "فورباس" تدريج الأشخاص الثمانية والستين الأكثر تأثيرا في العالم. وقد جُعل في المحل الأول هو جينتاو، رئيس جمهورية الصين الشعبية.

وكان هذا أمرا واضحا. و "الشخص الأقوى في العالم" في جميع الاستطلاعات السابقة – أي رئيس الولايات المتحدة – انخفض بالتدريج الى المحل الثاني. هكذا تكون الحال مع "الأزمان المتغيرة". وفي الحال بعد الانتخابات سارع رئيس الولايات المتحدة إلى السفر إلى اقتصاديات آسيا الناهضة. فليس السفر إلى اندونيسيا سفرا للبحث عن الجذور عند أوباما.

إن حل مشكلة البطالة (9.6 في المائة) في الولايات المتحدة وإعادة أمريكا إلى دوائر الإنتاج يقتضيان اتفاقات تجارية وتصديرا مع الدول الضخمة الناهضة في آسيا. ولن يفضي تحويل مئات أخرى من مليارات الدولارات من خزائن البنك الفيدرالي على يد المحافظ برناننكي إلى الاقتصاد المتعثر إلى انتعاش إذا لم تعد أمريكا إلى الإنتاج والتصدير، ويعلم الرئيس أوباما هذا جيدا.

لن تنجح الإعمال كلها في الداخل إذا لم يصغ زعامة في الساحة الدولية. والسؤال المركزي الذي يسأله قادة الشرق الأوسط وقادة جنوب شرقي آسيا في اليوم التالي للانتخابات هل يحمل هذا الرئيس، زيادة على قدرته الخطابية وحديثه الهادئ الفصيح في جعبته "عصا ربابين كبيرة"، كما قال رئيس أمريكي آخر هو ثيودور روزفلت.

إن التحديات التي تواجه أوباما إزاء الضربة التي تلقاها في الانتخابات تنشىء نافذة فرص نادرة جدا لرئيس الحكومة نتنياهو كي يطور ويحسن منزلة (إسرائيل) في إدارة التفاوض مع الولايات المتحدة.

إن تاريخ المسيرة السلمية، التي عرفت العلو والانخفاض، يشهد بأن العنصر المهم في كل اتفاق كان التفاوض والتفاهمات السابقة بين (إسرائيل) والولايات المتحدة. يريد أوباما اليوم من (إسرائيل) أن تلعب في فريقه، بحسب خطة اللعب التي خطها.

لكن يبدو أن هذا رئيس سيكون في النصف الثاني من اللعبة أكثر عملية وأكثر اصغاءا لإسرائيل، لا في تقديم المسيرة السلمية فقط بل في نظام الأمن الوطني والصد الأمريكي في الشرق الأوسط. في الخلاصة، الوضع الحالي، بخلاف العناوين الصحفية التي تتنبأ بمواجهة، هو فرصة جيدة لتعاون خصب بين (إسرائيل) والولايات المتحدة. وان مبادرة سياسية من (إسرائيل) بالتنسيق مع أوباما هي الشيء الصحيح.

ملفات أخرى متعلفة