مقاربات عباس لإخلاء الرئاسة

عدلي صادق
الأربعاء ١٩ ٠٨ / ٢٠١٥
كان الرئيس الفلسطيني محمود عباس واضحاً في طرحه، عندما عبّر أمام المجلس الثوري لحركة فتح (16/6/2015) عن إصراره على عقد المؤتمر العام السابع للحركة في هذه السنة. فقد اختلط الموعد بالوعيد، في صيغة تعبيره عن هذا الإصرار، إذ قال إن موقفه سيكون صادماً، في حال عدم جاهزية اللجنة التحضيرية للانعقاد، وخلو وفاضها من قائمة أسماء الأعضاء الألف (لا يزيدون واحداً) ومقترحات الوثائق التي توضع للتداول لإقرارها.

وأردف إعلانه ذاك بإشارة سريعة إلى أن لا انعقاد للمؤتمر لاحقاً في حال عدم الجاهزية، ما يوحي بمعنىً مؤداه أن لا انعقاد، على الأقل في حضوره! في ذلك الكلام، وفي تلك الإشارة، تكمن رغبته اعتزال السياسة، وعدم ترشيح نفسه لرئاسة الحركة، توطئة لمغادرة مواقعه الأخرى، غير أن حسابات أعضاء اللجنة المركزية للحركة اختلفت من واحد إلى آخر.

بدأت بأقلية منها، تتخوف من النتائج ولا تحبذ الانعقاد، ومع مرور الوقت، باتت الأكثرية ترى ما رأته الأقلية منذ البداية، ما جعل اللجنة التحضيرية، بالمحصلة، غير جاهزة. ولعل أهم العقبات هي عدم التوافق على آلية لاختيار الأعضاء الذين يحضرون بصفاتهم الاعتبارية، كالعسكريين والكفاءات وغيرهم. فالأقربون من المركزية، قبل الأبعدين، لا يرغبون في انعقاد يتيح لعباس أن ينتقي الورثة. فهؤلاء، جميعهم، كاظمو غيظ، يستبدلون الموقف المسؤول والواجب، بالتحضير لما هو آتٍ!

ابتعدت احتمالات عقد المؤتمر الذي أراده الرئيس عباس منصة للإعلان عن الانسحاب من الحياة السياسية. لكن الموقف المُضمر ظل يفتش لنفسه عن منصة أخرى للإعلان. كان عامل الوقت، الموصول بمعطيات السياسة والحال الراهنة، يدفع الرئيس عباس إلى طلب انعقاد استثنائي عاجل، للمجلس الوطني الفلسطيني، على ألا ينتظر هذا الانعقاد دورة اعتيادية، يتطلب التحضير لها وقتاً أطول.

عاد الرجل إلى النظام الأساسي لمنظمة التحرير الفلسطينية، فوجد المادة 14 المعدلة، التي تنص الفقرة ج منها على أنه "في حالة القوة القاهرة التي يتعذر معها دعوة المجلس الوطني إلى اجتماع غير عادي، يتم ملء الشواغر من قبل اللجنة التنفيذية ومكتب المجلس، ومن يستطيع الحضور من أعضاء المجلس، وذلك في اجتماع مشترك يتم لهذا الغرض، ويكون اختيار الأعضاء الجدد بأغلبية أصوات الحاضرين".

وتلك المادة تعالج موضوع الشواغر بملئها، لكن الرئيس عباس، كما أراد أن يتسنى له، بموجب تلك الفقرة، أن يتقدم أكثر من نصف أعضاء اللجنة التنفيذية باستقالاتهم، ما يستدعي، حسب النظام، انتخاب لجنة جديدة، فيعلن عن انسحابه. ومعلوم أن السعي إلى الانسحاب أسهل بكثير من السعي إلى الانتخاب وأخذ التفويض. لكن بعض تفسيرات المادة 14 المعدلة لم ترَ أن اجتماع "القوة القاهرة" بمقدوره أن يحمل تطوراً سياسياً أو انتقالاً للمسؤوليات بهذا الحجم.

ومع غياب اليقين في هذه النقطة، واستمرار بقاء الموقف المُضمر؛ عاد الرئيس عباس إلى التفكير في مقاربةٍ من خلال حركة فتح، كأن يدعو المجلسين، الثوري والاستشاري للحركة، إلى اجتماع مشترك، يحضره أعضاء اللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير ورئاسة المجلس الوطني ومستشارو الرئاسة، وربما رئيس الحكومة، وذلك في الأول من سبتمبر/أيلول المقبل.

ولما بدا أن اجتماعاً للمجلس الوطني لمنظمة التحرير، بموجب فقرة "القوة القاهرة" ممكن؛ تزحزح موعد 1/9/2015 عن يومه، وبات محتمل الانعقاد، قُبيل الاجتماع المادة 14 تحت لافتة المجلس الوطني الفلسطيني.

كلام كثير، ومتعدد الرؤى (لسنا هنا بصدد عرضه) يمكن أن يُقال عن أسباب إصرار الرئيس عباس الإعلان عن انسحابه. ولا معنى، في الحقيقة، لإنكار الإعلام الرسمي الفلسطيني وناطقيه نية الرئيس عباس إخلاء موقع الرئاسة، فهو إنكار يلامس الرجاء بأن يبقى، غير أن صاحب العلاقة نفسه يرى إنها اللحظة المناسبة لأن يغادر. فما يتعرض له من ضغوط أميركية للالتقاء بنتنياهو من دون شروط يتيح له تعليل انسحابه بالاستعصاء على ضغوط وقحة، ورياح مسمومة، مستمسكاً بالعروة الوثقى، وهذا نقيض ما يقوله خصومه الفلسطينيون الذين يقيّمون تجربته بمعايير أخرى.

ملفات أخرى متعلفة