تقدير موقف

الأزمة السورية: جهد دبلوماسي كبير والنتيجة تصعيد ميداني

انتهت الحركة الدبلوماسية النشطة التي شهدتها المسألة السورية خلال الأسابيع القليلة الماضية إلى نتيجة صفرية، بعد أن أعادت جميع الأطراف تأكيد مواقفها المعروفة، فيما زاد النظام السوري من وتيرة استهدافه المدنيين بعد انتهاء هدنة الزبداني، وفشل التوصل إلى اتفاق بين إيران وفصائل المقاومة في المدينة.

وتولى وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف مهمة تبديد كل الآمال التي عقدت على تغيير، ولو طفيف، في موقف بلاده من الصراع في سورية. وفي إشارة إلى مواقف أعلنها من موسكو الأسبوع الماضي رئيس الائتلاف السوري المعارض خالد خوجة حول وجود بوادر تغيير في الموقف الروسي من مسألة بقاء الرئيس بشار الأسد، قال لافروف: "إذا اعتقد بعض شركائنا بأن علينا أن نوافق مسبقًا على أن يترك الرئيس بشار الأسد منصبه مع نهاية المرحلة الانتقالية، فإنّ هذا الموقف مرفوض بالنسبة إلى روسيا". أمّا السعودية فقد ردّت في المقابل بأنها لن تدخل في أي تحالف ضد الإرهاب يكون نظام بشار الأسد جزءًا منه، وهو ما كانت روسيا طرحته رسميًا في شهر حزيران / يونيو الماضي.

تقارب روسي - سعودي لا يطاول الخلاف في شأن سورية
مثّلت المكاسب الميدانية الأخيرة التي حققتها فصائل المعارضة المسلحة السورية، والقرار التركي بإنشاء منطقة آمنة، دافعًا رئيسًا وراء الحركة الدبلوماسية النشطة التي بادر إلى إطلاقها حلفاء النظام. فقد أدى اقتراب فصائل المعارضة من منطقة الساحل ووصول "تنظيم الدولة" إلى تخوم دمشق وحمص، إلى إثارة قلق إيران وروسيا، تحديدًا، من احتمال حصول تصدعات مفاجأة في صفوف النظام. فالمشاهد المنقولة من ميادين القتال، خاصة من جسر الشغور وأريحا، تشير إلى أنّ جيش النظام بدأ يفقد الإرادة في القتال، بعد أن

فقد الأمل في إمكانية تحقيق نصر ما فتئ نظامه يعده به. وبناءً عليه، عادت روسيا للحديث عن تسوية سياسية أخذت تروج لها مستفيدة من محاولات للتقارب مع السعودية مع تولي الملك سلمان مقاليد الحكم.

ومنذ مطلع العام الجاري، أخذت روسيا، تحت وطأة العقوبات الغربية التي فرضت عليها بسبب موقفها في أوكرانيا وضمّها لجزيرة القرم، وبتأثير سياسة العقاب التي اتبعتها السعودية ضدها من خلال خفض أسعار النفط بفعل زيادة العرض، ترسل إشارات تعبّر عن استعدادها للتوصل إلى تفاهمات في شأن قضايا إقليمية وثنائية مع دول الخليج عمومًا، والسعودية خصوصًا.

وجاءت الإشارة الأولى عندما امتنعت روسيا عن استخدام حق النقض "الفيتو" ضد قرار مجلس الأمن رقم 2216 الخاص باليمن في نيسان / أبريل 2015، وهو ما كان مفاجأة للكثيرين. فرض القرار حظر السلاح على جماعة الحوثي، حليف ايران، ومنح الشرعية للتدخل العسكري الذي تقوده الرياض في اليمن. وأدى السلوك الروسي إلى فتح قناة حوار مع السعودية، أسفرت عن تطور كبير في العلاقات الثنائية بلغ حد توقيع اتفاقية تقوم روسيا بموجبها ببناء 16 محطة للطاقة النووية في السعودية. وتم ّذلك خلال زيارة قام بها وزير الدفاع السعودي، محمد بن سلمان، إلى روسيا أواخر حزيران / يونيو الماضي، التقى خلالها الرئيس بوتين في سانت بطرسبورغ.

عبّر بوتين، خلال هذا اللقاء، عن قلقه من تصاعد خطر التطرف في المنطقة، واقترح إنشاء تحالف عريض لمواجهة الإرهاب يضمّ السعودية وتركيا والأردن إلى جانب النظام السوري. بدا الاقتراح غريبًا حينها في شكله ومضمونه، حتى أنّ وزير خارجية النظام السوري وليد المعلم ابدى استغراباً من طرحه.

ومع ذلك، استمر الروس في الترويج لمقترحهم، ونجحوا بعد ثلاثة أسابيع من اجتماع سانت بطرسبورغ في تأمين اجتماع في جدة بين الأمير محمد بن سلمان واللواء علي مملوك، مدير مكتب الأمن الوطني السوري. وقد طرحت السعودية خلال هذا الاجتماع رؤيتها للحل في سورية، ربطت فيها "مصير الأسد بعملية سياسية، شرطها الأول انسحاب إيران والميليشيات الشيعية التابعة لها وحزب الله من الأراضي السورية جميعها، في مقابل وقف دعم المعارضة المسلحة، ليبقى الحل سوريًا - سوريًا، ما يمهد إلى إجراء انتخابات رئاسية وبرلمانية بإشراف الأمم المتحدة".

وقد بدا حينها من ترتيبات الاجتماع ومضمونه، وكأن روسيا هي التي حققت خرقًا في الموقف السعودي، وليس العكس.

لكن النظام السوري الذي لم يعد يملك القدرة على اتخاذ مثل هذا القرار - بعد أن غدت إيران هي المتحكم الأول والأخير في مصيره ومستقبله - رد بهذا المعنى على المقترح السعودي علنًا. ففي خطاب ألقاه في نهاية شهر يوليو / تموز الماضي، هاجم الرئيس الأسد السعودية، و شكر إيران "الشقيقة" على دعمها، وأبدى تمسكه بوجود حزب الله في سورية، وعدّ وجود المقاتلين الأجانب، ليس فقط أمرًا لا يمكنه الاستغناء عنه في ظل تضاؤل موارده البشرية وقدرته على التعبئة والتجنيد في صفوف مواطنيه السوريين، بل رأى أنّ وجود الميليشيات الأجنبية التي تقاتل معه أمرًا شرعيًا، عندما قال إنّ: "سورية هي لمن يدافع عنها وليس لمن يحمل جنسيتها.

وهي مقولة لا تعني فقط التخلي عن القومية العربية، فهذه قد غدت منذ زمن شعارًا فقط بالنسبة إلى الاستبداد، بل تعني أيضًا التخلي عن الوطنية السورية كما نعرفها، وتنظيرًا علنيًا للترانسفير، فالشعب السوري لم يعد يتألف ممن يحملون الجنسية السورية من منظور من يطرح نفسه رئيسًا لسورية.

بعد مرور نحو أسبوع على رفض النظام السوري المقترح السعودي، ومن ثمّ إجهاض المبادرة الروسية لإنشاء التحالف العتيد ضد الإرهاب والتطرف، صوتت روسيا - وهي التي ظلت تمثّل مظلة حماية دبلوماسية دولية للنظام السوري منذ بداية الأزمة - لمصلحة قرار مجلس الأمن رقم 2235، والذي ينصّ على تشكيل هيئة مستقلة لتحديد المسؤولين عن تنفيذ هجمات بالأسلحة الكيماوية داخل سورية، ما فتح الباب أمام إمكانية ملاحقة مسؤولين في النظام السوري متورطين في هجمات استخدمت فيها غازات سامة محرمة دوليًا.

رأى البعض الموقف الروسي، والذي كان مفاجأة للكثيرين، خطوة مهمة لرفع مستوى الضغط على النظام للرضوخ لشروط التسوية التي ظل يعطلها طويلًا، ولا سيّما أن موسكو كانت قد بدأت تُعدّ لجولة مشاورات جديدة بين الأطراف السورية، في إطار دعمها رؤية المبعوث الأممي ستيفان دي مستورا للحل السياسي، والتي تبنّاها مجلس الأمن مؤخرًا في بيان رئاسي صدر بإجماع الدول الأعضاء. وهو ما حدا بالرئيس أوباما إلى القول "اعتقد ان هناك نافذة فتحت قليلاً لإيجاد حل سياسي في سورية".

كما شجع الموقف الروسي المستجد على مواصلة الحوار الروسي - السعودي، فقام وزير الخارجية السعودي عادل الجبير بزيارة موسكو في الثاني عشر من آب / أغسطس الجاري، وذلك استكمالًا لمحادثاته التي بدأها مع لافروف في الاجتماع الثلاثي الذي جمعهما في الدوحة بوزير الخارجية الأميركية مطلع الشهر. لكنّ اجتماع موسكو مثّل انتكاسة لجهد تسوية الأزمة السورية.

نتائج الحراك...عودة إلى الميدان
أعلن وزير الخارجية السعودي عادل الجبير، قبل وصوله إلى موسكو، ما يشبه رد بلاده على رفض بشار الأسد عرض السعودية وقف دعمها للمعارضة المسلحة مقابل خروج ميليشيات إيران من سورية. ومن روما، أكد الجبير ليس فقط عدم وجود تغيير في مواقف بلاده من المسألة السورية، لا بل طرح رسميًا خيارًا عسكريًا لإسقاط الأسد. وفيما أعلن الجبير عن رغبة بلاده في الحفاظ على مؤسسات الدولة السورية المدنية والعسكرية، في رسائل كانت موجهة أساسًا إلى الجانب الروسي، أكد أنّ الحل السياسي الوحيد الممكن في سورية يمر عبر العودة إلى مقررات جنيف، وإطلاق عملية انتقالية تشتمل على صوغ دستور جديد، وإجراء انتخابات تؤدي إلى حكومة منتخبة "لا تضمّ بشار الأسد".

وأضاف الجبير بأنّ النظام السوري أمام خيارين إمّا "عملية سياسية وانتقال سلمي للسلطة وصولًا إلى سورية جديدة من دون الأسد"، وإمّا خيار آخر سيكون "عسكريًا ينتهي بهزيمة الأسد".

تبين للوزير السعودي، عند وصوله إلى موسكو واجتماعه بلافروف، أنّ كل السياسات والمواقف الروسية الأخيرة، بما فيها الموافقة على القرار رقم 2235، لم تعدُ في حقيقتها أن تكون محاولة لتركيز مزيد من أوراق الضغط في يد موسكو، بحيث لا يكون هناك حل في سورية بمعزل عن إرادتها.

وفي المؤتمر الصحافي المشترك الذي عقده لافروف والجبير تبيّن عمق الهوة التي تفصل بين موقفي الطرفين، ففيما جدّد الأول تأكيد موقف بلاده الخاص بمسألة بقاء الأسد، رد الثاني بالإعلان عن رفضه القاطع المبادرة الروسية لتشكيل أي تحالف يضم نظام بشار الأسد لمحاربة الإرهاب.

وفيما كانت الآمال تتلاشى حول قدرة روسيا والسعودية على إنتاج مبادرة مشتركة لحل المسألة السورية، كان النظام السوري يزيد من التصاقه بإيران، ففي مقابل عدم تحمسّه للمقترح الروسي لإنشاء تحالف ضد الإرهاب يضمه إلى جانب خصومه في الإقليم، لما يترتب عليه من تنازلات سياسية لم يعد قادرًا على تقديمها، أعلن النظام موافقته على المبادرة الإيرانية التي عادت طهران لطرحها مع إضافة تعديل على أحد بنودها الأربعة

الذي كان الأسد قد تحفظ عليه في المبادرة السابقة. فقد تمّ حذف البند الذي ينصّ على تعديل الدستور لتقلص صلاحيات رئيس الجمهورية، واستبداله ببند يتعلق بتعديل الدستور لحماية حقوق الأقليات، في حين ظلت البنود الثلاثة الباقية من دون تحوير، وهي وقف إطلاق النار وضبط الحدود، وتشكيل حكومة وحدة وطنية، وإجراء انتخابات برلمانية ورئاسية.

وفيما عدا النظام وحلفاءه، لم يُلق أحد بالًا للمبادرة الإيرانية، في حين عاد التصعيد الميداني ليعطي مؤشرًا جديدًا على الحصيلة الصفرية لكل التحركات الدبلوماسية التي شهدتها الأزمة السورية خلال الفترة الأخيرة، ذلك أنه قد بدأت جولة جديدة من الصراع على الأرض بهدف تغيير الوقائع، قبل أن تنطلق عجلة التحركات السياسية لمواكبة النتائج الميدانية من جديد.

ملفات أخرى متعلفة