عن مصائر الأوطان وقضاياها

عدلي صادق
الأربعاء ٠٢ ١٢ / ٢٠١٥
في موازاة سياسة حكومة نتنياهو التصعيدية، الرافضة فكرة التسوية ذات المضامين المتوائمة (على الأقل) مع منطق عملية التسوية، مثلما توافقت عليها الأمم؛ بدأت محادثات الأميركيين مع هذه الحكومة، للاتفاق على حجم المساعدات المالية، لإسرائيل، في السنوات العشر من العام 2018 إلى العام 2028. ففي زيارته، أخيراً، إلى واشنطن، طلب نتنياهو من الرئيس أوباما، زيادة حجم المساعدة للأغراض العسكرية، من ثلاثة مليارات دولار إلى أربعة أو خمسة.

وقد ساعد نتنياهو على طلب الزيادة ما قاله أوباما، في رسالة مفتوحة إلى عضو الكونغرس من الحزب الديموقراطي، اليهودي جيري نادلر: "لم تكن أية إدارة أميركية، في الماضي، قد عملت من أجل أمن إسرائيل، بالقدر الذي عملته إدارتي، وإني على استعداد لتعزيز هذه العلاقة". وكان لافتاً، على مر عهود الرؤساء الأميركيين، أن كلاً منهم، يدلي بتصريح مشابه، ويباهي أن إدارته كانت الأكثر سخاءً مع إسرائيل، من سابقاتها.

ذكّر الرئيس أوباما نتنياهو بأن تحويلات واشنطن إلى إسرائيل، منذ العام 2009، في سياق الدعم العسكري، بلغت عشرين ملياراً ونصف المليار، بخلاف تكاليف استثنائية بقيمة ثلاثة مليارات دولار، لما يُسمى "القبة الحديدية" وصواريخ حيتس. وكان في سياق صرف المبلغ التعاقد مع إسرائيل على تزويدها بطائرات إف 35 الأكثر تطوراً في العالم، فأوباما يقول إن إدارته ملتزمة بالحفاظ على تفوق إسرائيل العسكري على كل أعدائها.

السؤال هنا: ألا يجد العرب سبيلاً لكبح جماح اندفاع واشنطن إلى تعزيز قوة إسرائيل، في ظل أكثر سياسات حكوماتها، على مر تاريخها، عناداً وجفاءً حيال منطق التسوية، وحيال منطق الإدارة الأميركية نفسها، معطوفاً عليه استهتار إسرائيل بمواقف ورجاءات الأوروبيين وبغضاء الأمم، في سائر القارات لها؟

يتوفر سلاح كبح الجماح الأميركي في أيدي العرب، وهو ليس، بالطبع، ذا صلة بالتهيؤ العسكري المضاد. هو ما يسمى "التعاون" الذي جعل بلادنا العربية سوقاً للسلاح الأميركي المشروط استخدامه والمضبوط تقنياً، وجعل أجواء العرب وأرضهم مساحات مهيأة لدعم الأميركيين لوجستياً، في سياق خطط انتشارهم وتدخلاتهم في العالم، وجعل الشراكة التجارية مع الولايات المتحدة ذات أولوية، وجعل التعاون الأمني برهاناً لجدارة الأنظمة، وجعل البترول، استخراجاً وتسويقاً وتسعيراً، مضبوط الإيقاع مع متطلبات الاقتصاد الأميركي. فلو توافق العرب، على الأخذ بتدبير جوابي واحد، وعلى أي صعيد، على السياسة الأميركية التي تشجع متطرفي إسرائيل على العربدة؛ لكانت هناك نتيجة، يمكن وصفها أنها بعض الكبح لواشنطن، ربما تتأسس عليها إحدى اثنتين أو ثلاث: ضغوط أميركية جدية على إسرائيل، لمراعاة مصالح الولايات المتحدة، وتكريس بعض المكانة الأدبية للأنظمة، ما يفسد على متطرفي "الجهادية السلفية" محاولات تأليب القوى الشبابية عليها، وتأليب مجتمع الكيان العنصري على متطرفيه، وإذكاء الشعور لديه، بلا جدوى العناد والغطرسة.

في هذه الحال، يتنادى الأقوياء للهجوم على أوطاننا، مثلما تتنادى الأكلة إلى قصعتها، حسب التعبير النبوي، وهذا، بحد ذاته، يُنشئ وضعاً يتهدد الأوطان العربية بالانفجار.

لا معنى إطلاقاً للتعويل على الروس، فحتى تدخلهم في سورية، يراه نتنياهو مناسبة سعيدة، تساعد على انتزاع قرار أميركي روسي بالاعتراف بــ "مشروعية" ضم الجولان، مثلما كتب، قبل أيام، أمير بحبوط، المراسل العسكري لموقع "وإلا" العبري، وكتب تسيفي هاوزر، سكرتير حكومة نتنياهو السابق، في "هآرتس"، تحت عنوان "فرصة تاريخية في الجولان".

فقد بدا لافتاً أن السلاح النوعي المتطور الذي عزّ على الجيش السوري، على مدى أربعين سنة، وهو يسعى إلى ما سماه الأسد الأب "التوازن الاستراتيجي" مع إسرائيل؛ نزل إلى سورية بسخاء، مشروطاً أن يبقى في أيدي الروس، وبالتوازي مع تنسيق إسرائيلي روسي، سمّاه مراسل "وإلا" العسكري "تجسيداً للخطوط الحمراء".

فماذا تبقى للعرب، سوى التوافق على الحد الأدنى مما يحفظ ماء الوجه، والوئام الاجتماعي في الأوطان، والمصائر، والقضايا، بقليل من الإرادة؟

ملفات أخرى متعلفة