القدس شعلة لن تنطفئ

علي قباجة
الجمعة ٠٤ ١٢ / ٢٠١٥
إن انتقال زخم «الانتفاضة الفلسطينية» المتصاعدة وتركزها في مدن الضفة الغربية، لا يعني أن جذوة الأحداث في القدس قد خبأت وانطفأت، بل إن المدينة المقدسة هي طاقة لا تنفد، وديناميكيتها لا تتوقف، حتى وإن هبطت وصعدت حدتها بين الفينة والأخرى. القدس لأجلها انتفض الشعب، وصعد، وواجه، وجابه الكيان الصهيوني المتغطرس، وهب الصغار والكبار يفدونها. فحول المدينة يدور الفعل الفلسطيني ولا يمكن فصمها عن مجمل الأحداث، فهي ركيزة وبوصلة الشعب المنتفض.

إن انتقال الأحداث بقوة إلى مدن الضفة الغربية، لهو دليل ساطع على أن القدس هي مركز القضية، كما أنها رمز للكرامة والعزة، ولأجلها قدم الفلسطينيون ولا يزالون كل غال للدفاع عنها، وعن أحرارها. لقد أثبتت الانتفاضة أن القدس هي الرقم الصعب وأن ما يحصل بها لا بد أن ينعكس على الكل الفلسطيني، فهي ترتبط وجدانياً وجغرافياً وتاريخياً بهذا الشعب، حتى وإن حاول الغرباء فصل المدينة وتفتيت روابطها مع محيطها بالجدران وترهيب أهلها أو كل من يحاول الدخول إليها.

القدس كانت وما زالت البوصلة التي توحد، وأي مساس بها يفتح باب التصعيد على الصهاينة، فالجيل الفلسطيني الجديد يدافع عنها بكل ما يملك حتى ولو بأسلحة بدائية. الجيل الذي راهن الاحتلال على استسلامه خالف التوقعات، وحمل راية المقاومة والصمود عن أسلافه وبشكل أقوى وأشد. فأطفال بعمر الزهور هم من يضحون اليوم بدمائهم، وهم من يتصدون للاحتلال ومستوطنيه، وكان آخرهم طفل ارتقى خلال تنفيذه عملية طعن لأحد الجنود قرب تجمع للمستوطنات شمالي الخليل قبل يومين.

اللافت أن الجيل الفلسطيني الجديد يُقدم على الفعل المقاوم غير آبه برصاصات عدوه، حيث إن إعدامات الاحتلال التي هدف من خلالها إرهاب الشعب وردعه عن الانتفاض، لم ترهبه، بل كانت الدماء النازفة وقوداً جديداً للثورة، ولعنة تقسم عمر الاحتلال، وتبشر بزواله.

ما يحدث الآن في الأراضي الفلسطينية يدل بوضوح على أن الأمور مقبلة على التصعيد، وأنها قد لا تقتصر على أعمال فردية وعمليات طعن ودهس هنا وهناك، فقد تتطور لتصل إلى حرب شاملة يدخل الكل الفلسطيني في أتونها، فجبهة غزة مهيأة بقوة للانفجار، خاصة في ظل انسداد الأفق، وتعطل عملية الإعمار، وفشل حكومة التوافق في حل مشاكلها المتفاقمة، في حين أن موت الهدنة في القطاع قد يترافق مع ردة فعل لفلسطينيي الداخل المحتل عام 48 بشكل قوي وغير مسبوق، خاصة أن الاحتلال صعَّد ضدهم ولاحقهم، وعنصريته تزداد يوماً بعد يوم عليهم، كما أن لفلسطينيي الداخل بصمة واضحة في الأحداث الأخيرة.

إن توحد الكل الفلسطيني في خندق المقاومة لن يكون في صالح الاحتلال الهش أصلاً، بل سيعيش في مأزق لن يستطيع الخروج منه أو مجاراته، في ظل الاحتقان الداخلي والإقليمي في المنطقة. تعدد الجبهات قد يصيب الكيان في مقتل ويحطم كبرياءه وغروره على صخرة الصمود الفلسطيني.

ملفات أخرى متعلفة