تدمير مكونات الوطنية الفلسطينية الحديثة

سمير الزبن
الخميس ١٧ ١٢ / ٢٠١٥
خاض الفلسطينيون تجربة تأسيس كيان سياسي ضد تجارب التاريخ المعاصر. في الوقت الذي اتخذت الدول من الجغرافيا الوعاء المكاني لتشكيل الشعب، باعتبار التراب الوطني الذي يقيم عليه الأساس المكوِّن للدولة التي تُعرَّف بأنها إقليم وشعب وكيان سياسي، وهي الشروط الأولية لتكوين الدول، ولتكوين الوطنيات الحديثة. سارت التجربة الفلسطينية عكس السردية التي عرفتها ولادة الوطنيات الجديدة في العالم الثالث، حيث استقلت البلدان المستعمَرة عن المستعمِرة بوصفها دولاً تملك الحق في تقرير مصيرها بنظام سياسي، وفق إرادتها السياسية. جاءت التجربة الفلسطينية عكس التيار، خسر الفلسطينيون وطنهم، وقامت دولة (إسرائيل) على أنقاضه، وتشرّدوا داخل وطنهم، وفي البلدان المجاورة، واختفت فلسطين عن الخريطة السياسية للمنطقة، حيث استولت (إسرائيل) على الجزء الأكبر من فلسطين، وضمت المملكة الأردنية الضفة الغربية، ووقع قطاع غزة تحت الإدارة المصرية، كان على الفلسطينيين التعامل مع هذا الواقع بعد النكبة.

اختفى الفلسطينيون باختفاء وطنهم، تحولوا من شعبٍ مقيم على أرضه إلى لاجئين في دول الطوق. من هذا الإلغاء وبالضد منه، ولدت الوطنية الفلسطينية الحديثة في مخيمات اللجوء، فقد عمل اللاجئون على إيجاد تواصل وترابط بينهم، جعلهم يستعيدون تجربة الوطن المفقود ويتجاوزونها في الوقت نفسه. وعادوا، بالتالي، ليتشكلوا شعباً موجود على الخريطة السياسية، من دون أن يملك هذا الشعب جغرافيا يبني عليها هذه الوطنية الجديدة. وبحكم الشتات الفلسطيني، وبحكم فقدان الجغرافيا بوصفها الحاوي للكيان السياسي الفلسطيني، استبدل الفلسطينيون الوجود المادي بالوجود المعنوي، بتأسيس كيان معنوي، كان أداتهم للتعبير السياسي عن أنفسهم. ارتبطوا بوطنهم المفقود، وبنوا عليه وطنيتهم في المنافي، حملوا أسماء قراهم ومدنهم، وأطلقوها على شوارع المخيمات ومحلاتها، وأخذ الفقد يكبر مع البعد عن الوطن، وأصبحت فلسطين الجنة المفقودة للمطرودين منها. والمنافي المسكونة بالحنين تجعل الأوطان البعيدة الممنوع تتضخم، ليس كذباً، بل حنيناً للمكان المفقود، الذي يستمر يكبر في الغربة القصرية.

على الرغم من أن إقامة (إسرائيل) كان العامل الأساسي في ولادة الوطنية الفلسطينية في المنافي، إلا أنها لم تكن العامل الوحيد، فقد شكلت الأنظمة المحيطة بفلسطين عاملاً إضافياً في ولادة هذه الوطنية وتبلورها. كان على الكيان السياسي الفلسطيني أن يولد داخل دول أخرى، دول رفضت اللاجئ الفلسطيني، وتعاملت معه بوصفه غريباً وخطراً أمنياً. وبالتالي، كان من السهل على المولود الجديد أن يكتشف أنه فلسطيني في بلدان اللجوء العربية. ولأنه كذلك، كان عليه أن يجد الروابط التي تتجاوز الجغرافيا المقيدة، أنتجت هذه الروابط "متخيلاً جمعياً" عزّزه فرض الغربة النهائية على الفلسطينيين من محيطهم العربي، واعتبارهم لاجئين إلى الأبد، بذريعة الحفاظ على "حقـ(هم) بالعودة"، وتناسل اللاجئون لاجئين في المنافي، طوال عقود ما بعد النكبة.

حتى يكتمل وجودهم السياسي على الخريطة، كان لا بد لهذا "المتخيل الجمعي" أن يجد إطاراً تمثيليا، فكانت منظمة التحرير التي شكلتها القمة العربية المنعقدة في العام 1964، وأخذت محتواها التمثيلي الفعلي، بعد هيمنة الفصائل المسلحة عليها، فقد شكلت هذه الفصائل العنوان السياسي من أجل استعادة الحقوق المسلوبة، بعد هزيمة الأنظمة "التقدمية" في حرب العام 1967. اعتقد الفلسطينيون أنهم، بجهودهم الخاصة عبر العمل المسلح، يمكن أن يحدثوا فرقاً ويحرّروا الأرض ويستعيدوا الجغرافيا. على الرغم من أنهم صنعوا فارقا في الخريطة السياسية للمنطقة، بوجود كيان معنوي لهم، واعتراف إقليمي ودولي بإطارهم السياسي وحقوقهم، ولو على جزء من الجغرافيا المفقودة، لكنهم لم يستطيعوا صناعة الفرق في الجغرافيا السياسية التي بقيت على حالها، على الرغم من المشكلات التي أحدثها العمل العسكري الفلسطيني الذي تورط في صراعات محلية، في الأردن ولبنان، بسبب من استعارة جغرافيا الآخرين للوصول إلى الجغرافيا المفقودة.

الكيان السياسي الذي ولد في منتصف ستينيات القرن الماضي، وصعد إلى الاعتراف الدولي الكبير في منتصف السبعينيات، أخذ في الانحدار مع هزيمة حرب العام 1982 واجتياح لبنان، وصولاً إلى الحصار الإسرائيلي الطويل والوحشي لبيروت. الدرس القاسي الذي أسفرت عنه هذه الحرب هو، أن زمن العمل السياسي والعسكري الفلسطيني من الخارج ولّى. وجاءت الانتفاضة الأولى في العام 1987 لتكرس مركزية الداخل الفلسطيني بشكل نهائي، الضفة الغربية وقطاع غزة على حساب المخيمات في الشتات. ترافق هذا مع إقرار نهائي من منظمة التحرير بأن الحل النهائي للقضية الفلسطينية سيكون على الأراضي التي احتلت العام 1967، وأن باقي الفلسطينيين هم مشكلة "لاجئين" تنحل في السياق، وهم من عوارض الصراع، وليسوا أساساً مكوّناً له. لم يصدّق الفلسطينيون ذلك، لكنهم مع استحقاق "أوسلو" بات هذا الواقع يفقأ العين. أصبح من الواضح التخلي الرسمي من منظمة التحرير عن فلسطيني الشتات. بدأ هذا المسلسل مع فلسطينيي لبنان بعد الخروج من بيروت، مروراً بطرد الفلسطينيين من الكويت بعد حرب العام 1991، مروراً بتصفية الوجود الفلسطيني في العراق، وصولا إلى المجزرة التي ترتكب بحق الفلسطينيين في سورية..

مع كل تراجع عن اعتبار اللاجئين الأساس المكون للقضية الفلسطينية، كان يُفكك مدماكا من المعمار الفلسطيني الذي تمت إشادته، وظهر في أكمل تألقه في منتصف السبعينيات. مع التسوية التي تأبى أن تكتمل، عرف اللاجئون أنهم خارجها نهائياً، ترافق ذلك مع تدمير البنى المجتمعية للاجئين الفلسطينيين في دول الشتات، ما جعل نظرية المؤامرة على "حق العودة" تسود بفعل تفكيك البنى المجتمعية للاجئين في الشتات، خصوصاً سورية اليوم. وكان تفكيك البنى المجتمعية الفلسطينية من عوارض تدمير البنى المجتمعية المحلية، كما في حالتي سورية والعراق.

تم تدمير الأوهام الفلسطينية، بالوجود الخصوصي لهم في البلدان العربية، فعندما داهمت الصراعات هذه الدول، وجدوا أنفسهم في قلبها. هذا ما جرى في أثناء الحرب الأهلية في لبنان، وهذا ما جرى في أثناء الاحتلال العراقي الكويت، وهذا ما جرى في أثناء الصدامات الطائفية في العراق، والدرس نفسه هو ما يجري اليوم في سورية.

بتفكيك تجمعات اللاجئين الفلسطينيين خارج وطنهم، يكون العماد الذي انبنت عليه التجربة الفلسطينية، بوصفها "القضية الفلسطينية" تاريخياً قد انتهى إلى الأبد. ليس بفعل العدو الصهيوني، بقدر ما هو بفعل عوامل التدمير الذاتي العربي. لذلك، ليس من الغريب القول إن تفكك الاجتماع الفلسطيني في الشتات كان على هامش التفكك المجتمعي العربي الكبير.

ملفات أخرى متعلفة