استشراف فلسطيني بألم وأمل

علي قباجة
الجمعة ٠١ ٠١ / ٢٠١٦
مضت 2015، وفيها أعاد الفلسطينيون إشعال جذوة النضال، وأكدوا خلالها حقوقهم المسلوبة، ولم يرضوا بالخنوع، والقناعة بواقعهم المرير، فأطلقوا انتفاضتهم متحدّين الصلف الصهيوني المتصاعد عليهم، وقدموا، ولا يزالون، التضحيات المتواصلة، والشهيد تلو الشهيد، وآلاف الجرحى والمعتقلين، وسط محيط عربي أدمَته حروبه الداخلية، وعالم متآمر يضخ دعمه لشذاذ الآفاق، سارقي الأرض، وقاتلي إنسانها.

التاريخ يعيد نفسه، خاصة في القضية الفلسطينية، التي ومنذ دخولها في أتون الاحتلالين البريطاني و«الإسرائيلي»، لم يكن القرار الفلسطيني إلا ردة فعل على الحدث، والفعل يكون بعد وقوع الفعل، ما يحرم الفلسطينيين من قيادة الأحداث بما يعود بالنفع عليهم وعلى قضيتهم، فدائماً العدو يسبقهم بخطوة، أو خطوات، وهم في غمرة خلافاتهم الداخلية وفي صراعاتهم على النفوذ، وهذه هي الحال منذ ما يقارب المئة عام؛ وعليه فإن ما يتوقع خلال العام الجديد على الصعيد الرسمي الفلسطيني فربما سيكون كما هو عليه الحال العام الماضي، ليس إحباطاً، بقدر ما هو استقراء تاريخي من أحداث.

فالسلطة الفلسطينية خطابها واضح لا يقبل المواربة، وفهم أقوالها وأفعالها لا يحتاج إلى تحليل معمق، فهي ستبقى تسير على نهجها لن تغير، ولن تتغير، وستبقى سائرة على النهج الذي رسم لها في اتفاق «أوسلو»، في حين أن تعاطيها مع انتفاضة الفلسطينيين القائمة، سيبقى مقتصراً على إدانة إجرام الاحتلال، وفي الصعيد الآخر ملاحقة الفلسطينيين الثائرين، في محاولة لإخماد هذه الهبّة، التي أحرجتها، خاصة أنها لم تجرؤ حتى على وقف التنسيق الأمني، أو محاسبة الكيان دولياً، كما كانت تتوعد منذ سنوات، ولكن الجديد هنا والأهم، وهو فقدان المواطن الفلسطيني الثقة بها، ولن تستعيد هذه الثقة أبداً، وإن قامت بتجميل نفسها بخطابات عاطفية رنانة.

وعلى صعيد الشعب الفلسطيني، فهو يعيش في أحلك الظروف، الاقتصادية والسياسية، وحتى الاجتماعية، فالكيان ضخ الكثير لتفتيت المجتمع الفلسطيني المترابط وفشل في هذه المهمة، إلا أن الآثار لا تزال موجودة، كما أن السلطة أعلنت التقشف، وهذا من شأنه مفاقمة السوء، في حين أن الاحتلال يطبق الحصار عليه، ويبتزه بأموال الضرائب، أو بمنعه من العمل في الداخل المحتل. وفي ما يتعلق بهبّته، ربما تخمد، أو تخف وطأتها مع بعض الحلول الالتفافية عليها، أو ببعض الرشى الاقتصادية التي قد تغدق عليه من الأوروبيين وأمريكا، إلا أن جذوة المقاومة ستبقى مشتعلة، لكن بشكلها الفردي من دون حشد جماهيري، بيد أن الفصائل، خاصة حركتي «حماس» والجهاد «ستحاولان جر الانتفاضة للعسكرة، وربما تنجحان جزئياً في ذلك، إلا أن قبضة السلطة والاحتلال أقوى شكيمة، والفعل المنظم سيكون في مهب رياح السطوة الأمنية المشددة.

فلسطين تطوي أوراق 2015، لتعيش فصولاً جديدة مع سنة جديدة تحمل في طياتها وبرحم أيامها الكثير من المفاجآت، ولكن يجب ألا نتفاءل كثيراً، في ظل المتغيرات الإقليمية والدولية، فالشعب الأعزل يواجه البطش وحده، وربما يدفع إصراره على تفكيك الحصار، وأيضاً إخضاع الاحتلال لتلبية بعض رغباته، إلا أنها ستبقى محدودة.

على صعيد قطاع غزة، ربما يفتح معبر رفح بشكل كامل تحت إدارة السلطة، لتطوى صفحة المجاذبات السياسية عليه، في حين أن الانقسام سيبقى على حاله، وحتى إن تمت إعادة صياغة حكومة التوافق على أساس القبول الفصائلي، فإن إنهاء الانقسام والتوافق غير منطقي في ظل تضاد البرامج والأيديولوجيات بين«حماس» والسلطة. وقد لا تكون هناك بوادر لحرب شاملة، خاصة أن الكيان يترقب شمالاً في ظل الرمال المتحركة التي تعيشها المنطقة هناك.

ملفات أخرى متعلفة