فشل حل الدولتين.. ماذا بعد؟

عادل شديد
الخميس ٠٧ ٠١ / ٢٠١٦
ازداد في الآونة الأخيرة اقتناع فلسطينيين وإسرائيليين كثيرين بأن خيار حل الدولتين انتهى، ولم يعد خيارًا موضوعيًّا، بسبب السياسات الإسرائيلية الممنهجة، التي أدت إلى زيادة الاستيطان في الضفة الغربية، حتى في شرقي القدس، الذي يفترض أن يكون عاصمة الدولة الفلسطينية العتيدة على حدود الرابع من حزيران (يونيو) من عام 1967م، والأهم أن حل الدولتين لم يكن أصلًا خيارًا مطروحًا بجدية في العقل الإسرائيلي، في النظام السياسي والمجتمع اليهودي بوجه عام، وكل ما كان مطروحًا لم يتجاوز سلطة فلسطينية ذات مسؤوليات أمنية واقتصادية محدودة على الحد الأقصى من الشعب الفلسطيني في الضفة والقطاع، وذلك للتخلص الإسرائيلي من الأعباء السكانية والحياتية والقانونية والأخلاقية من استمرار السيطرة عليهم، مع بقاء السيطرة الإسرائيلية الكاملة على معظم ما تبقى من الضفة الفلسطينية، وخصوصًا المنطقة المسماة (C)، التي تصل مساحتها إلى نحو ثلثي الضفة، وفيها الحدود الشرقية مع الأردن، إضافة إلى استمرار السيطرة الإسرائيلية الشاملة على المعابر والقدس الأجواء والمياه والثروات الفلسطينية الأخرى.

وفي هذا السياق جاءت أقوال الرئيس الأميركي باراك أوباما قبل أسابيع، في أثناء اجتماعه إلى رئيس الحكومة الإسرائيلية بنيامين نتنياهو؛ بأنه لم يعد في الوسع العودة إلى المفاوضات بين الفلسطينيين والإسرائيليين في المدة المتبقية من ولايته، ويمكن فهمها سياسيًّا أن الإدارة الأميركية تغسل أيديها من العملية السياسية في الشرق الأوسط، نتيجة فشلها ووصولها إلى طريق مسدود. وإن تصريحات مسؤولين ومحللين أميركيين عديدين تنسجم مع الاقتناع نفسه بانتهاء حل الدولتين خيارًا، دوليًّا وليس إسرائيليًّا فقط، وهو عبر عنه وزير الخارجية الأميركية الأسبق هنري كيسنجر (وهو أحد أهم السياسيين الأميركيين متابعة لقضية الشرق الأوسط) عندما قال قبل أيام: "إن إقامة دولة فلسطينية لم تعد أمرًا قائمًا، ولا مفيدًا، بل مضرًّا، في ظل تفكك دول عربية قائمة منذ عقود أو قرون، وسيطرة تنظيم الدولة الإسلامية على مناطق فيها، وهذا ينسجم مع الادعاء الإسرائيلي بعدم إمكانية حل الدولتين، بسبب أن الدولة الفلسطينية في حال إقامتها ستقع بين أيدي داعش والحركات الإسلامية المتطرفة".

بموازاة ذلك بدأت تصدر أصوات من هنا وهناك تارة واضحة، وتارة ضمنًا، أن فشل حل الدولتين سيؤدي إلى حل الدولة الواحدة الثنائية القومية، وقد تحدث عن ذلك وزير الخارجية الأميركي جون كيري، في مؤتمر سابان أخيرًا، ما قد يفهم أنه اعتراف بفشل المساعي الأميركية باتجاه حل الدولتين، وفي الوقت نفسه محاولة تخويف الكيان العبري من حل الدولة الواحدة من جهة، وبث نوع من التفاؤل لدى الفلسطينيين من جهة أخرى، خصوصًا أن بعض الإسرائيليين والفلسطينيين يرون ذلك الحل الأمثل، كونه يمثل للفلسطينيين العودة إلى فلسطين التاريخية من البحر إلى النهر، وإنْ بشراكةٍ مع الكيان، ويمثل لشريحة إسرائيلية تحقيق (إسرائيل الكبرى) بموافقة فلسطينية وعربية وإسلامية، أفشل الكيان حل الدولتين، لأنه يتناقض تمامًا ومشروع (إسرائيل الكبرى)، ما يعني فشل الحركة الوطنية الفلسطينية في تحقيقه، مع أنه الحد الأدنى فلسطينيًّا.

في ظل تراجع مكانة القضية الفلسطينية عربيًّا ودوليًّا لأسباب كثيرة، إضافة إلى انقسام الحركة الوطنية الفلسطينية، وتحول السلطة إلى سلطتين، وعدم قدرتهما على حمل الاحتلال على التعاطي بطريقة مختلفة مع القضية الفلسطينية، وإذا كان حل الدولتين مرفوضًا من قبل كيان الاحتلال، لأنه يتعارض هو والمشروع الإسرائيلي الكبير، ولم يكن يعطي الفلسطينيين أكثر من كيان صغير، غير قادر على الاستمرار والبقاء في ظل الاشتراطات الإسرائيلية والأميركية على طبيعة ذلك الكيان، من حيث عدم التسليح، والإبقاء على الكتل الاستيطانية، والمصالح الأمنية التي تلغي مضمون الدولة والسيادة؛ يقودنا ذلك كله إلى أن من رفض حل الدولتين مع أنه الأقل خسارة له سيرفض قطعًا حل الدولة الواحدة، الذي لا يتناقض فقط مع مشروع (إسرائيل الكبرى)، بل أيضًا مع مشروع "الدولة اليهودية الكبرى"، في وقت يشعر الكيان فيه بأنه دولة عظمى عسكريًّا واقتصاديًّا، خصوصًا بعد اكتشاف حقول الغاز وسيطرته عليها، وأن قوته تؤهله للسيطرة على مناطق أخرى، وليس فقط فلسطين التاريخية.

وإن عد الجناح الشمالي من الحركة الإسلامية في أراضي الـ(48) خارج القانون، وسن قوانين عنصرية عديدة تلغي الحقوق الفردية والجماعية للمجتمع الفلسطيني فيها أكبر دليل على ذلك، خصوصًا أنهم جزء من ذلك المكان، بل إنهم المجتمع الأصلي، وإن الغالبية العظمى من اليهود في أراضي الـ(48) هاجروا إليها في سنوات ما بعد إقامة الكيان العبري عام 1948م، إثر نكبة الشعب الفلسطيني.

لذلك، وبعد فشل الجهود الفلسطينية في الوصول إلى حل الدولتين، واستحالة حل الدولة الواحدة في ظل المعطيات الفلسطينية والإسرائيلية والعربية والدولية؛ يبقى الخيار الثالث الذي يهواه الإسرائيليون، ولا يتحسّسون من عنصريته، والمتمثل بإحكام عزل التجمعات الفلسطينية في الضفة، بعد إخراج القدس منها، وتحويلها إلى جزر متناثرة ومقطعة الأوصال في بحرٍ كبير من الوجود الاستيطاني والعسكري الإسرائيلي، والجدران والشوارع الالتفافية.

ملفات أخرى متعلفة