الولوغ في المال الحرام

د. محمد المبيض
الأربعاء ٠٦ ٠٤ / ٢٠١٦
- عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم قَالَ: " لَيَأْتِيَنَّ عَلَى النَّاسِ زَمَانٌ لَا يُبَالِي الْمَرْءُ بِمَا أَخَذَ الْمَالَ أَمِنْ حَلَالٍ أَمْ مِنْ حَرَامٍ".

شرح :

- هذا الحديث يشير إلى تغير نفسيات الناس التي كانت تتوق للحلال وتتقي الحرام في الرعيل الأول ، إلى نفسيات مريضة همها جمع المال دون النظر إلى الناحية الشرعية لهذا الكسب ؛ مما يشير إلى ضعف الوازع الديني أمام شهوة المال مع تغييب فقه المعاملات من حياة الناس ، ويحل بدلاً منه فن الشطارة في التكسب بعيداً عن أي اعتبارات دينية أو خلقية ، كذلك الحديث يشير إلى حقبة زمانية معينة يكثر فيها عدم المبالاة بالجانب الشرعي في الكسب ، ولعل زماننا هذا هو المقصود ، ومن نظر إلى أكثر معاملات الناس يجد أن للحرام أو غباره مدخلاً فيها ، وهذه حقيقة لا يدركها إلا أهل البصيرة بالعلم الشرعي وواقع المسلمين المعاصر ، على سبيل المثال نجد أن هناك شبكة عنكبوتية ربوية في جميع أنحاء العالم الإسلامي تدور من خلالها عجلة الاقتصاد في بلاد المسلمين ، ونرى لهذه الشبكة رواجاً وازدهاراً مما يشير إلى سعة التعامل معها ، وقس على ذلك باقي الأمور من رشوة أو قمار ، أو غش وخداع وحلف كاذب في التجارة ، أو متاجرة في المحرمات .

- طبعاً لا أقصد بكلامي السابق شمول الأمر لكافة المسلمين ؛ بل هناك الكثيرون من أهل الورع والتحري في الجانب المالي رعاية لأمر الله سبحانه وتعالى ، لكن هناك صفة غالبة مؤثرة في المجتمع تشير إلى شريحة واسعة نالها حظ من هذا الحديث ، فالكثيرون في عصرنا إما وقعوا في الربا ، أو نالهم من غباره ، والحديث هنا لا يدل على العموم ؛ إنما يدل على حصول الأمر من عدم المبالاة في الناس في توخي الحلال في كسبهم ، وهذه الصفة على هذا الوجه موجودة في عصرنا بشكل واضح ، وإن كانت في القرون السالفة تأخذ حكم النادر .

- هناك إشارات نبوية تدل على أن هذه العلامة في ازدياد لدرجة يعز فيها المال الحلال ، منها قول رسول الله صلى الله عليه وسلم" يُوشِكُ أَنْ يَكُونَ خَيْرَ مَالِ الْمُسْلِمِ غَنَمٌ يَتْبَعُ بِهَا شَعَفَ الْجِبَالِ وَمَوَاقِعَ الْقَطْرِ يَفِرُّ بِدِينِهِ مِنَ الْفِتَنِ" فهذا الحديث يدل على زمان تقل فيه مداخل الحلال وأسبابه للمسلم ؛ لدرجة يختلط فيها الحرام في الحلال في جميع أشكال الكسب على درجات متفاوتة ؛ بحيث لا يبقى إلا وجهان من الحلال الصرف وهما ما ذكرهما الحديث .

ملفات أخرى متعلفة