إشكالية المفاضلة بين الأعمال (1)

د.تيسير إبراهيم
الجمعة ٠١ ٠٧ / ٢٠١٦
إشكالية المفاضلة بين الأعمال إشكالية حقيقية أشار إليها العديد من العلماء، والباحثين قديمًا وحديثًا، حتى إنَّ بعضهم أفرد لها مؤلفًا كاملًا؛ فعلى سبيل المثال هناك كتاب للباحث إبراهيم بن عامر الرحيلي بعنوان: "تجريد الاتباع في بيان أسباب تفاضل الأعمال"، ما يتضح من عنوان الكتاب أنه محاولة لفك اشتباك هذه القضية بردها إلى أسباب محددة تجعل تفاضل الأعمال مسألة مفهومة، ومضبوطة، وكذلك فعل الباحث سليمان بن محمد النجران في كتابه: "المفاضلة في العبادات قواعد وتطبيقات"، ومثل ذلك فعل الباحث حمد بن إبراهيم العثمان في كتابه: "فقه المفاضلة بين الطاعات"، والحقيقة أنني حتى لحظة كتابة هذه المقالة لم يتسنَّ لي الوقوف على هذه الكتب.

أود الإشارة إلى مجموعة من النقاط قبل الشروع في توضيح معايير المفاضلة بين الأعمال، حسب ما وقفت عليه من هذه الشريعة:

أولًا: بعض العلماء لم يرَ المسألة خاضعة للقياس، لأنَّ الأجور، والأثوبة فضل من الله، وليست راجعة إلى أسباب، وفي ذلك يقول ابن حجر في الفتح: "الفضائل لا تدرك بالقياس، وإنما هي إحسان من الله (تعالى) لمن شاء"، ورأى بعضهم أنّ المسألة خاضعة للقياس، وفي ذلك يقول ابن دقيق العيد: "القياس يقتضي أن يكون الجهاد أفضل الأعمال".

ثانيًا: ليس من المبالغة القول إنَّ المسألة من أخطر المسائل التي تحتاج لفهم شرعي لا يلتبسه غموض، لأنها جزء من قضية مراتب الأعمال، أو هي معها شيء واحد، وهي قضية بسبب غياب فقهها تَشَكَّلَ العقل المسلم بطريقة كبَّرت ما شأنه التصغير، وصغرت ما شأنه التكبير؛ فموقف شرعي واضح من هذه القضية يعني إعادة تشكيل للعقل المسلم بما يجعله يفهم الدين بطريقة أفضل.

ثالثًا: يمكن الوقوف على طريقتين للعلماء في معالجة إشكالية تفاضل الأعمال: الأولى تعتمد معيارًا واحدًا في التفاضل، وهو عظم المصلحة الناشئة عن العمل، فكلما كانت مصلحة العمل أعظم كان أفضلَ عند الله، وأعظمَ أجرًا، وهذه الطريقة تتسم بالعموم الشديد، لحاجتها إلى بيان معايير تفاضل المصالح عند التعارض، وحينها نكون عدنا من حيث بدأنا، ولم نرجع بجواب واضح عن إشكال تفاضل الأعمال، لأننا رددناه إلى أمر يحتاج إلى معايير لضبطه، أما الطريقة الثانية فهي رد المسألة إلى معايير محددة تفصيلية.

رابعًا: يمكن الوقوف على أربعة معايير تفصيلية لتفاضل الأعمال: الأول: كون العمل من أعمال القلوب؛ فأعمال القلوب محل عناية الشريعة بدرجة أكبر من أعمال الجوارح، لأنَّ القلب هو محل نظر الله، المعيار الثاني: تعلق النفع العام بالعمل؛ فما كان من الأعمال فيه نفع عام (أي يعود على الأمة بمجموعها) فهو أفضل، المعيار الثالث: ما كان من الأعمال فيه نفع متعدٍّ، وليس قاصرًا على الشخص فهو أفضل، المعيار الرابع: ما له وظيفة اجتماعية من الأعمال أعظم، وهذا المعيار الرابع قد يُرَدّ إلى سابقه، لكنَّ إفراده معيارًا له ما يبرره.

خامسًا: هذه المعايير يَرِد عليها استشكالات تحتاج إلى دفع، حتى تسلم معايير في المفاضلة.

هذه مقدمة لسلسة من الحلقات عن إشكالية المفاضلة بين الأعمال ستكون في خمس مقالات، كل واحد منها سيخصص للحديث عن معيار من معايير المفاضلة، مع بيان الأدلة الشرعية عليه، والحلقة الخامسة ستخصص لإيراد بعض الأحاديث التي تُشكل على هذه المعايير، ورفع هذا الإشكال.

ملفات أخرى متعلفة