الانتخابات المحلية الفلسطينية بين التأييد والمعارضة

عادل شديد
الأحد ٠٤ ٠٩ / ٢٠١٦
تشهد الأراضي الفلسطينية في الضفة الغربية وقطاع غزة نشاطًا كبيرًا استعدادًا إلى إجراء الانتخابات المحلية للبلديات والمجالس القروية، المقرّر أن تجرى في الثامن من أكتوبر المقبل، وفق ما حدّدته حكومة الحمد لله، وقد انتهت قبل أيام عملية تسجيل القوائم لدى لجنة الانتخابات، التي ستخوض الانتخابات في حال إجرائها وعدم تأجيلها، خصوصًا أن أطرافًا عدة قد عملت منذ البداية على عدم إجرائها، حتى إن بعضها توجه إلى المحكمة العليا الفلسطينية للمطالبة بعدم السماح بإجرائها، لعدة أسباب، أهمها عدم مشاركة سكان شرقي القدس فيها، إضافة إلى مبررات أخرى.

إن البلديات والمجالس القروية هيئات محلية، تنحصر مسؤولياتها ومهامها في الخدمات الحياتية للمواطنين والبنى التحتية من كهرباء ومياه وشوارع وشبكات الصرف الصحي، لكن الانتخابات المقبلة تأتي في ظل انهيار المشروع السياسي الفلسطيني، المتمثل بانعدام الأفق السياسي، بسبب المواقف الإسرائيلية الرافضة كل المشاريع السياسية المطروحة، ما أعطاها اهتمامًا سياسيًّا كبيرًا، أيضًا إنها تأتي في ظل الانقسام السياسي بين حركتي فتح وحماس، وهما العمود الفقري للنظام السياسي الفلسطيني، في وقت تشهد مكانة تلك الحركتين حالة من التراجع في أوساط الرأي العام الفلسطيني، بسبب الانقسام والانسداد السياسيين والاقتصاديين والاجتماعيين، ما أدى إلى تراجع نسبة تأييد إجراء الانتخابات الفلسطينية في الوضع الراهن في أوساط نخب سياسية وفكرية، وشرائح مجتمعية كثيرة.

يرى مؤيدو إجراء الانتخابات المحلية أنها قد تكون بدايةً لنهاية الانقسام الفلسطيني بين الضفة الغربية وقطاع غزة، باحترام صوت المواطن الفلسطيني، ومن أجل تحقيق ذلك صدرت أصوات كثيرة مطالبة بخوض الانتخابات بقوائم مشتركة، تضم كل الحركات والأحزاب، حتى فتح وحماس، لكن هذا الاقتراح لم ير النور، إلا في مناطق ذات تجمعاتٍ فلسطينية صغيرة، أما في باقي المناطق الكبيرة فلم تفلح القوى بالوصول إلى قوائم موحدة، ما فتح المجال أمام المنافسة بينها.

وإن مؤيدي إجراء الانتخابات المحلية يرونها عملية تجديد وضخ دماء جديدة، قادرة على تقديم الخدمة الأفضل للمواطن الفلسطيني، في ظل الظروف الصعبة الناتجة عن تحكم الاحتلال في كل تفاصيل الحياة اليومية للشعب الفلسطيني، وبعضهم يرى ضرورة إجراء الانتخابات، لغرس ثقافة الديمقراطية في المجتمع الفلسطيني، بمشاركة الشعب في اختيار ممثلي تلك الهيئات، على قاعدة أن مشاركة الشعب من الممكن أن تؤدي إلى تمتين الجبهة الداخلية واللحمة الفلسطينية، لكي تشكل الانتخابات محاكمةً شعبيةً لممثلي تلك الهيئات، اعتقادًا أن ذلك قد يؤدي إلى تحسين الأداء، وتقديم خدمة أفضل للمواطن، والتقليل من الفساد والمحسوبية في تلك المؤسسات.

في المقابل ترى نخبٌ فلسطينيةٌ أكاديمية ووطنيةٌ أن الانتخابات قد تؤدي في حال إجرائها إلى نتائج سلبية جدًّا وضارّة على الصعيدين الوطني والسياسي، فمن جهةٍ يستبعد هؤلاء أن إجراء الانتخابات قد يؤدي إلى إنهاء الانقسام بين الضفة الغربية وقطاع غزة، في ظل سيطرة السلطة وحركة فتح على الضفة، وحركة حماس على السلطة في القطاع، ويعتقد بعضهم أن إجراء الانتخابات سيؤدي إلى تراجع الاهتمام بالانتفاضة الشعبية الحالية، ما سيؤدي إلى تراجعها بدرجة كبيرة، لكن الأهم من ذلك كله في تبرير رفضهم إجراء الانتخابات خشية كثيرين أن يوظف الاحتلال نتائج هذه الانتخابات لمصلحته، بالتزامن مع طرح وزير الجيش الإسرائيلي الحالي أفيغدور ليبرمان خطته السياسية للتعامل مع الشعب الفلسطيني، والمسماة سياسة العصا والجزرة، ومن ضمنها إيجاد قنوات اتصال وعناوين فلسطينية جديدة، بعيدة عن السلطة، لإنهاء أي بعد سياسي للقضية الفلسطينية، وحصرها في القضايا الخدمية لتجمعاتٍ متناثرة وغير مترابطة مركزيًّا، وهذا هو جوهر الرؤية الإسرائيلية لحل القضية الفلسطينية، وليس إنهاء الاحتلال والاستيطان، فيخشى معارضو إجراء الانتخابات أن يستغل الاحتلال النتائج بعدّ هذه الهيئات هي الممثل الشرعي المنتخب للشعب الفلسطيني، في ظل عدم إجراء انتخابات سياسية، منذ أكثر من عشرة أعوام، والشلل الذي أصاب النظام السياسي، بعد تعطل المجلس التشريعي الفلسطيني المنتخب، لاعتقال الاحتلال كثيرين من أعضاء المجلس من الضفة الغربية، وخصوصًا المنتمين إلى حركة حماس، إضافة إلى تعطل المجلس بسبب الانقسام وتبعاته، فيعتقد المعارضون للانتخابات أن الاحتلال قد يلجأ إلى الضغط على الدول المانحة للقيام بالتعامل المباشر مع البلديات والمجالس القروية المنتخبة، بعيدًا عن السلطة المركزية ومؤسساتها المالية والاقتصادية المختلفة، الأمر الذي سيؤدي إلى زرع بوادر إشكالات ومواجهة بين السلطة والحكومة الفلسطينية من جهة، والهيئات المحلية المختلفة من جهة ثانية، ثم الضغط على السلطة، لتقبل التعامل المباشر بين المؤسسات والدول المانحة وهذه الهيئات، ما سيؤدي إلى حدوث انقسام فلسطيني جديد، داخل الضفة الغربية وقطاع غزة، خصوصًا أن الحراك الانتخابي شهد تدخلًا ودورًا كبيرًا للعشائر ورجال الأعمال، ما فرض على الفصائل والأحزاب السياسية _وخصوصًا حركتي فتح وحماس_ أن تنسق قوائمها مع القوى العشائرية ورجال الأعمال، الذي توج بوضع شخصيات عشائرية واقتصادية في مقدمة القوائم الانتخابية، وتراجع الكوادر الوطنية والنضالية إلى مؤخرة القوائم، مع العلم أن النظام الانتخابي النسبي الفلسطيني لا يسمح بالفوز إلا للمقاعد المتقدمة في القوائم، ولا يسمح بفوز بعض الكوادر الوطنية الذين ثبتوا في مؤخرة القوائم، وبذلك تبعد القيادات الوطنية عن المشاركة في صنع القرار مستقبلًا، حتى في الجانب الخدمي، بحجة عدم قدرة الكادر الوطني على البناء المؤسسي والخدمي، مع العلم أن الحركة الوطنية الفلسطينية تضم مناضلين كثيرين، أصحاب كفاءات مهنية وأكاديمية، وحينها من الممكن أن يلجأ الاحتلال إلى استغلال ذلك بفرض شروط إضافية على البلديات، بالضغط على هذه المجالس المنتخبة ألا تسمح لقيادات الحركة الوطنية بالتدخل في شؤونها، لكي يوافق على السماح لها بتنفيذ مشاريع في البنية التحتية، لا بل الأخطر من ذلك كله أن يحاول الاحتلال الإسرائيلي أن يربط موافقته على المشاريع المقدمة للبلديات بموافقتها على أن تخدم هذه المشاريع المستوطنات اليهودية في الضفة الغربية، وتحويل هذه المستوطنات من قضيةٍ مرفوضة فلسطينيًّا إلى حاجة ومصلحة، للوصول إلى حالة من التطبيع بين البلديات والمستوطنات، في شبكات الكهرباء والطرق والمياه والصرف الصحي، في ظل بنيةٍ تحتيةٍ سيئة، في كل تلك المجالات.

لذلك في ظل هذه القراءات بات من المطلوب إعادة الحركة الوطنية الفلسطينية _خصوصًا حركتي حماس وفتح_ النظر عمومًا في إجراء الانتخابات، لقطع الطريق على محاولة الاحتلال توظيفها والاستفادة منها، وفي الوقت نفسه التوصل إلى حلٍّ يضمن تجديد الدماء ومشاركة واسعة وفاعلة من معظم الطاقات الشابة الوطنية المؤهلة للبناء والإعمار.

ملفات أخرى متعلفة