أكثر من 150 خطًا وملحوظة في كتاب واحد من المناهج الجديدة

صالح عوض
الاثنين ١٩ ٠٩ / ٢٠١٦
قبل عام تقريبًا شكلت اللجنة الوطنية لإصلاح التعليم، ولم تمثل الوزارة بغزة في هذه اللجنة، وفي بداية عام 2016م بعيدًا عن غزة قدم مقترح لتطوير إجراءات امتحان الثانوية العامة، ومع ذلك أبدينا ملحوظاتنا على المقترح وأرسلناها إلى الوزارة في الضفة، وانتظرنا أربعة أشهر لنسمع الرد، لكن _يا للأسف!_ لم يتواصل معنا أحد لمناقشة ملحوظاتنا المهنية والجوهرية.

رفعنا صوتنا المهني بمشاركة المجتمع وأصحاب العلاقة عبر الإعلام حتى وصل هذا الصوت إلى مجلس الوزراء الذي طلب مراجعة المقترح، وبالفعل أجريت تعديلات جوهرية عليه أخذت بكثير من ملحوظات غزة.

الشيء نفسه حصل مع تطوير المناهج إذ سار العمل بسرعة كبيرة، وأعدت وثيقة الإطار المرجعي للمناهج دون إطلاع أصحاب العلاقة، ودون الحصول على إجماع وطني عليها، حتى دون نشرها وإعلانها، أرسلنا ملحوظاتنا عليها، وكان الجواب البدء سريعًا بإعداد الخطوط العريضة لمناهج الصفوف (1-4) وتأليف الكتب الدراسية. تواصلنا وذكرنا لبعض الزملاء أن الوقت قصير والعملية لا تجرى وفق المنهجية العلمية، ولدينا ملحوظات أساسية على الإجراءات، لكننا لن نعطل العمل، وفي الوقت نفسه نؤكد أن العمل بهذه الطريقة لن يؤدي إلى مناهج تحقق لنا الهدف المرجو، وفي رسالة إلى أحد الزملاء من لجنة إصلاح التعليم أوضحنا موقفنا وملحوظاتنا، وأكدنا أن المسؤولين عن المناهج الجديدة سيتحملون المسؤولية كاملة عن المنتج النهائي.

استمر العمل في إعداد الكتب الدراسية بسرعة كبيرة، لم تعط المؤلفين الوقت الكافي للعمل المهني من حيث اختيار المحتوى وعرضه بالشكل المناسب أو مراجعة ما يكتب بصورة مهنية، وقد علقت على ذلك في حينه بالقول: "إن وزارة التعليم تريد أن تدخل موسوعة (جينيس) للأرقام القياسية بأقصر وقت لتأليف كتب المرحلة الأساسية الأولى".

خرجت الكتب إلى النور مع بداية العام الدراسي، وتحدثت الوزارة في رام الله عن الإنجاز الكبير الذي حققته خلال مدة زمنية قياسية، وبدأ تدريب المعلمين على المناهج الجديدة سريعًا حتى قبل وصول الكتب الجديدة نظرًا إلى ضيق الوقت، وبطبيعة الحال خصصت الموازنات لتدريب المعلمين في الضفة على المناهج الجديدة وحرمت غزة ذلك.

ومع صدور الكتب ظهرت بعض الأصوات في مواقع التواصل الاجتماعي تتحدث عن أخطاء وملحوظات على المناهج الجديدة، وكان عدد ما ذكر من أخطاء ليس كبيرًا، فانبرت الوزارة تدافع عن مناهجها الجديدة بإيجاد بعض المبررات، مدعية أن هذه المناهج تجريبية، ومن الطبيعي أن يكون فيها بعض الأخطاء التي يمكن تجاوزها في الطبعات التالية.

في ضوء ما سمعناه عبر وسائل الإعلام، وفي سياق رسالتنا المهنية اتفقنا في الوزارة بغزة على عقد ورش عمل لتقويم مبدئي للكتب الجديدة، فالتقويم الكامل لابد أن يكون بعد تدريس هذه الكتب وتجريبها على أرض الواقع، وقبل ذلك بدأت أتصفح الكتب الجديدة، وبحكم تخصصي بدأت بكتاب الرياضيات للصف الأول، لكنني فوجئت بالكم الكبير من الأخطاء والملحوظات التي يمكن أن يكتشفها المتصفح غير المختص، وتجاوزت بكثير ما تحدث عنه في الإعلام، ومع أنني غير مختص في مناهج المرحلة الأساسية الأولى سجلت أكثر من (150) خطأ وملحوظة على الكتاب الأول الذي بدأت بتصفحه، وهو كتاب الرياضيات للصف الأول، حتى إن الجملة الأولى في الفقرة الأولى من مقدمة المؤلفين لم تخل من الأخطاء.

والسؤال: ما كم الأخطاء والملحوظات التي يمكن أن يسجلها أصحاب الاختصاص عند مراجعة وتقويم هذا الكتاب وغيره من الكتب الجديدة؟، الأخطاء والملحوظات في هذا الكتاب كانت متنوعة بين أخطاء الطباعة، والأخطاء اللغوية والإملائية، وأخطاء التصميم، إضافة إلى الأخطاء العلمية، وأغلب هذه الأخطاء كانت نتيجة وضع المؤلفين تحت سيف الوقت بقرار سياسي لا مهني لإنجاز الكتب قبل بداية العام الدراسي الجديد؛ فلم يتمكن المؤلفون من إعداد وثائق مناسبة وكاملة للمناهج، ولم يكن لديهم الوقت الكافي مع اجتهادهم الكبير للاطلاع على تجارب الآخرين ومناهجهم، واختيار المحتوى والأنشطة والتدريبات المناسبة وعرضها وفق الرؤية العلمية، وتطبيقًا لنظريات التعلم التي تحدثت عنها وثيقة الإطار المرجعي التي لم يتمكنوا من الاطلاع عليها أصلًا، ولم يكن لديهم وقت لمراجعة الكتب بعد طباعتها وتصميمها، ما أخرج هذه الكتب بهذا الكم الكبير غير المبرر من الأخطاء والملحوظات.

من حق الجميع أن يسأل: ما دور من سجلوا أسماءهم في صدر الصفحات الأولى من الكتب الجديدة أعضاء اللجان المختلفة: الإشراف العام، ولجنة المناهج الوزارية، والإشراف الفني والإداري؟!، ماذا سيقول هؤلاء وأعضاء اللجنة الوطنية لإصلاح التعليم لمن يسألهم عن هذا الكم الكبير من الأخطاء والملحوظات؟!، وكيف سيواجهون المعلمين والمشرفين والمجتمع بهذا "الإنجاز"؟!، وكيف سيواجه المعلم طلابه وهو يطلب منهم في كل يوم إجراء تصويب هنا وتعديل هناك؟!

إنها مشكلة كبيرة حين يفقد المعلم والطالب وولي الأمر الثقة في قدرة الوزارة على إعداد كتب دراسية مناسبة، انظروا إلى مناهج الدول المجاورة فقد وضعت على موقع الوزارة في غزة عينات منها لمقارنتها بمناهجنا الجديدة، ما الذي كان يعيب الوزارة لو أعطت الوقت الكافي لإنجاز المناهج الجديدة، مثل الدول التي تحترم طلابها ومواطنيها؟!؛ فمناهج سنغافورة _مثلًا_ كانت إحدى المرجعيات المهمة لواضعي المناهج الجديدة، لكن سنغافورة عندما بدأت تطوير كتب الرياضيات في عام 2013م وضعت خطة للانتهاء من تطوير كتب الصفوف (1-6) في عام 2018م، أي بمعدل كتاب واحد في العام، وليس كما هو الحال لدى وزارة التعليم في فلسطين التي طورت مناهج المرحلة الأساسية الأولى (الصفوف 1-4) مرة واحدة، وأعدت كتب هذه الصفوف في كل التخصصات خلال ثلاثة أشهر، وهي مدة زمنية قياسية تمكنها من دخول موسوعة (جينيس) للأرقام القياسية دون منازع، لكنها أيضًا ستدخل هذه الموسوعة بصفتها صاحبة أكبر عدد من الأخطاء في الكتب الدراسية.

إن تجربتنا مع وزارة التعليم برام الله في ظل حكومة الوفاق تؤكد أنها لا ترغب في سماع صوتنا، ولا تهتم بالرد على مراسلاتنا، وغير معنية بمشاركتنا في أمور التعليم المهمة، بل تحرص على إقصاء هذا الجزء من الوزارة والتفرد بالقرارات، لكننا سنستمر في أداء رسالتنا وتقديم خدماتنا لأبناء شعبنا، وسنبقى نبدي ملحوظاتنا بمهنية _وإن عبر الإعلام_ إلى أن تعدل وزارة التعليم في رام الله من معاملتها لشقها الآخر بغزة، ويكون صوت كل من يعمل في التعليم مسموعًا بمهنية داخل أروقة الوزارة الواحدة والموحدة.

دولة رئيس الوزراء: هل ستفتخر بهذه المناهج وبها هذا الكم من الأخطاء والملحوظات؟!، هل ستنصح المسؤولين في أي دولة ترغب في تطوير مناهجها بالاطلاع على مناهجنا المطورة للاستفادة منها؟!، بماذا ستجيب أولياء الأمور والمعلمين والطلبة عندما يسألونك عن هذه الأخطاء والملحوظات؟!، أم أن الجواب سيكون: "الأخطاء بسيطة وسنتجاوزها في الطبعات القادمة"؟!، بماذا ستجيب الممولين عندما يسألونك عن هذا الموضوع؟!، والسؤال الأهم: ما الذي ستفعله مع المسؤولين عن هذه العمل؟

وبعد كل هذا هل ستبقى اللجنة الوطنية لإصلاح التعليم التي من المفترض انتهاء مدة عملها قبل شهر دون تمثيل للوزارة في غزة؟!، هل ستبقى اللجان الفنية التي تشكلها وزارة التعليم في رام الله دون تمثيل مناسب لكفاءات غزة؟!، وعندما يكون هناك تمثيل شكلي هل سيبقى اختيار الأشخاص وفق رؤية خاصة ودون مشاورة أصحاب العلاقة في غزة؟!، هل ستبقى نظرة وزارة التعليم في رام الله إلى شقها الآخر في غزة على أنه مكتب تعليم يتعامل معه في هذه الحدود؟!، إلى متى سيبقى إهمال هذا الجزء من الوزارة دون موازنات، ودون وظائف، ودون تنسيق، ودون مشاركة حقيقية؟!

ملحوظة: قائمة الأخطاء والملحوظات الخاصة بكتاب الرياضيات للصف الأول إضافة إلى عينة من مناهج الدول المجاورة موجودة على موقع الوزارة في غزة: www.mohe.ps .

ملفات أخرى متعلفة