المناهج الإسرائيلية والتحريض الممنهج

صالح عوض
الثلاثاء ٢٧ ٠٩ / ٢٠١٦
عرضت فضائية "بي بي سي" قبل أيام مقابلة عن المناهج الفلسطينية الجديدة، التقت فيها أحد الإخوة من وزارة التربية والتعليم العالي في رام الله، وأوفير جندلمان المتحدث باسم رئيس وزراء الحكومة الإسرائيلية، وقد جاءت هذه المقابلة في إطار حديث عن مهاجمة الكيان العبري للمناهج الفلسطينية الجديدة، وتقديمه شكوى إلى الأمم المتحدة، متهمًا المناهج الفلسطينية الجديدة بممارسة التحريض.

ومع كل ما يمكن أن يقال عن المناهج الإسرائيلية، ودورها التحريضي الذي يعزز كراهية الإسرائيلي للعرب والمسلمين، ويحث على قتلهم واقتلاعهم من فلسطين، ومع أن جندلمان لم يقدم دليلًا واحدًا على صحة ادعاءاته بما يخص المناهج الجديدة ودورها التحريضي؛ دفعنا إلى موقف المدافع عن مناهجنا المعتدلة، بدلًا من استغلال الموقف لفضح المناهج الإسرائيلية، وحشر جندلمان في الزاوية، بتقديم الشواهد والأدلة الحقيقية المستندة إلى الواقع الحقيقي، ونتائج الدراسات والأبحاث العديدة التي قام بها باحثون عرب ويهود، وكشفت بكل جلاء ووضوح سوءة المناهج الإسرائيلية وعدوانيتها وعنصريتها.

فالكتابات الصهيونية تزخر بما يغذي فكر العنصرية والعدوانية، يقول موسى هس (وهو من مؤسسي الصهيونية): "نفوس البشر آتية من روح نجسة، أما نفوس اليهود فمصدرها روح الله المقدسة"، ويقول أيضًا: "الشعب اليهودي جدير بحياة الخلود، أما الشعوب الأخرى فهي أشبه بالحمير"، وإن العقيدة اليهودية المزورة مليئة بالنصوص التي تربي في اليهود مقولة: "شعب الله المختار"، الأمر الذي يدفعهم إلى العنصرية والعدوانية تجاه الأجناس الأخرى.

أما الفلسفة التي بنيت عليها المناهج الدراسية الإسرائيلية فإنها تتضمن أن التوراة والتلمود هما المصدران الأساسيان للتاريخ والجغرافيا والأدب القومي، والمحتوى الأساسي للتقاليد الروحانية والأخلاقية، وقد استغلت الصهيونية النصوص التوراتية وفسرتها بما يناسب طموحاتها، فملأت الكتب الدراسية بها، وصاغت التاريخ اليهودي صياغة جديدة، وبثت فيه فكرة القومية اليهودية وأحقية اليهود في أرض فلسطين.

وقد حلل العديد من الباحثين الكتب الدراسية الإسرائيلية وكتب أدب الأطفال، لمعرفة صورة العربي والمسلم والفلسطيني في هذه الكتب، ومدى التحريض وحجم المغالطات اللذين تتضمنهما هذه الكتب، وقد أظهرت نتائج تحليل محتوى هذه الكتب تطرف المناهج الإسرائيلية، وتحريفها للتاريخ والحقائق.

وقد تمثلت عنصرية هذه المناهج في مهاجمة الديانات السماوية غير اليهودية، وتعزيز الوعي الديني لدى الطلاب بملكية اليهود للأرض، وإظهار تأثر الإسلام باليهودية، والتشكيك في الوحي المتنزل على سيدنا محمد (صلى الله عليه وسلم)، وتأكيد أن الإسلام سبب التأخر والرجعية.

أما من الناحية التاريخية فقد ركزت المناهج الإسرائيلية على إثبات "الحق اليهودي" في فلسطين، مقابل تغييب الوجود العربي والإسلامي فيها، وتصوير الفتوحات الإسلامية أنها احتلال، إلى جانب طمس الأسماء العربية للأماكن والآثار، واستبدال بها أسماء عبرية.

أما في المجال النفسي فقد تمثل ذلك في تعزيز كراهية العرب واحتقارهم، والتعبئة بمشاعر الحقد والعداء تجاههم، والتأليب عليهم، وتأكيد دونية العرب وعبوديتهم، وإظهارهم بمظهر الرافضين للتطور والحضارة مقابل تعزيز الفوقية والاستعلاء اليهودي، وإبراز تقدم اليهود على غيرهم مع بث الفكر التوسعي للكيان العبري.

وقد تعمدت المناهج الإسرائيلية تقديم الإنسان العربي على أنه مخلوق مشوه بصور منفرة ليكون في عيون النشء الجديد مثيرًا للكراهية والاحتقار والاشمئزاز، فنجد هذه المناهج تصف العرب بالتخلف والوحشية والهمجية، ما يدعم السلوك العدواني تجاه العرب، وتسهيل ارتكاب الجرائم ضدهم.

وفي شهادة لأحد خريجي المدارس الإسرائيلية الذي يدعى "منوحن" يقول: "علمونا أن نكره العرب وأن نحتقرهم، وعلمونا فوق ذلك كله أن نطردهم من أرضنا (يقصد فلسطين)".
وتقول الباحثة حاجيت غورزئيف: "إن معاني الديمقراطية تغيب عن برامج التعليم اليهودي، بسبب تأكيد تطبيق قاعدة: (نحن وهم الأغيار، وهم دائمًا الأشرار)"، والتعليم اليهودي يغذي الأجيال بالعنف، وكراهية الآخر المتمثل في الفلسطينيين والعرب المحيطين بالكيان المحتل. ويربط التعليم اليهودي القتل للآخر بالنصوص الدينية والأمثلة التاريخية، وفتاوى الحاخامات حتى تحوَّل القتل إلى عبادة، وفي دراسة للباحث أدير كوهين بعنوان: "وجه قبيح في المرآة" حلل محتوى مئات من كتب الأطفال في الكيان، فوجد أن أغلبها تتضمن إشارات سيئة إلى العرب وتحث على القتل.

أما دراسة دان ياهف بعنوان: "ما أروع هذه الحرب!" التي تناولت مئات النصوص الأدبية الإسرائيلية؛ فقد أظهرت نتائجها أن هذه النصوص تنمي روح العسكرة العنيفة في وعي الإسرائيلي، وتعزز لديه التعصب القومي.

ومن مظاهر عسكرة التعليم عقد رحلات طلابية إلى قواعد الجيش الإسرائيلي، وأخذ صور تذكارية مع الجنود، والاعتزاز بألوية الجيش وتقديم الهدايا للجنود، وقد رأينا كيف يكتب طلاب المدارس العبارات والرسائل والتوقيعات على قذائف المدفعية، التي استخدمها الجنود في حربهم على غزة ولبنان.

ومن ذلك أيضًا احتفال المدارس بعيد الاستقلال بتسلق الأطفال الدبابات، وتزيينها بأعلام وحدات الجيش الإسرائيلي.

ومن مظاهر عسكرة التعليم في كيان الاحتلال أيضًا تولي كبار ضباط الجيش في الاحتياط مناصب إدارية هامة في جهاز التعليم، وإدارة المؤسسات التربوية، إذ تؤهل وزارة التعليم الضباط المتقاعدين من الجيش والمخابرات للانخراط في التعليم، وتعزز عسكرة التعليم بجعل بعض الشخصيات العسكرية موضوع دروس للطلاب، تقديرًا للعسكرة، وغرس مفاهيمها في أذهان النشء.

هذا في التعليم الرسمي العلماني، فما بالكم بالتعليم الديني الذي يكون فيه التطرف والصورة أكثر سوداوية، وفتاوى الحاخامات تحث على اقتلاع كل ما هو عربي، وفتواهم مقدمة على أي تعليمات أخرى.
أما القدس فقد بدت في المناهج الإسرائيلية مدينة يهودية خالصة وعاصمة لما يسمى "دولة (إسرائيل)"، وتتنكر هذه المناهج للوجود التاريخي العربي والإسلامي في القدس، وتدعي أن دور العبادة الإسلامية والمسيحية أقيمت على أنقاض معابد يهودية، فصورت فتح عمر بن الخطاب لبيت المقدس احتلالًا، وأن الحرم القدسي قد بني على أنقاض الهيكل، ووصفت هذه المناهج العرب أهالي مدينة القدس بالمجرمين والمحتلين الغرباء.

وعلى نقيض ما يزعمه رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، وبعكس ما تدعيه حكومته والإعلام العبري الأمني من أكاذيب وخداع للرأي العام العالمي؛ تأتي المناهج الحكومية لجهاز التعليم الديني الرسمي الإسرائيلي لتفند ما يروجه نتنياهو من أكاذيب عن التزام الكيان بالحفاظ على الوضع القائم للمسجد الأقصى، وعدم نية الكيان تدميره وإقامة ما يزعمونه "الهيكل" مكانه، وهو ما يظهره بما لا يقبل التأويل كراس اليوميات الذي وزع على تلاميذ المدارس الإسرائيلية بداية العام الدراسي الماضي، ويصور "الهيكل المزعوم" مكان الأقصى، ويحمل عنوان: "شهادتي الاجتماعية حب البلاد وبناء الهيكل"، وقد أشارت صحيفة (هآرتس) الإسرائيلية إلى أحد نصوص هذا الكراس في فصل يحمل عنوان: "إرشاد توراتي"، الذي يظهر جواز ممارسة أي فعل من أجل إقامة "الهيكل المزعوم".

إن ما كشفته وسائل الإعلام العبرية أخيرًا بشأن مخطط إقامة "الهيكل" مكان الأقصى تحريض رسمي ومبرمج يطالب كل تلميذ إسرائيلي بالتعهد بالعمل على بناء الهيكل المزعوم، كون ذلك عندهم إحدى المهام التي ليست ملقاة على عاتق حكومة الاحتلال فحسب، بل تقع مسؤوليته على كل إسرائيلي ويهودي "فريضة" دينية وقومية.

وفي ضوء ما تقدمه المناهج الإسرائيلية للنشء الجديد يجب علينا ونحن تحت الاحتلال الإسرائيلي أن نضمّن مناهجنا ما يتصدى للاتجاه العنصري الموجود في المناهج الإسرائيلية من عنف وكراهية وتحريض، وإظهار الصورة الحقيقية للكيان العبري عدوًّا ومحتلًّا لأرضنا، وأن نعزز لدى أبنائنا روح الفداء والتضحية من أجل تحرير الأوطان بكل السبل التي يتيحها لنا القانون الدولي وتضمنها لنا المواثيق الدولية.

أما مؤشر الوطنية في المناهج الفلسطينية الجديدة فهو يحتاج إلى فحص وتدقيق بأسلوب مهني وموضوعي، ويجب ألا تأخذنا هذه الضجة الإعلامية بعيدًا عن التقويم الحقيقي لهذه المناهج، وهنا نعطي مثالًا للمقارنة من واقع كتب اللغة العربية، مؤكدًا لزوم إجراء دراسة تحليلية للكتب الجديدة؛ ففي كتاب "لغتنا الجميلة" للصف الرابع نجد أن الكتاب القديم تضمن درسًا عن البطل صلاح الدين الأيوبي، وانتصاره في موقعة حطين على أرض فلسطين، وفتحه لبيت المقدس، وتهيئة المسجد الأقصى وقبة الصخرة للصلاة (وهو موقف عزة وشموخ وانتصار)، وفي المقابل جاء في الكتاب الجديد درس عن النكبة بعنوان: "دمية حسنة"، تتحدث فيه الجدة لأحفادها عن يافا وهجرتهم منها بعد هجوم العصابات الصهيونية (وهو موقف فيه الخوف والذل والتهجير والغربة مع تذكيره بالوطن والأرض)، أما كتاب "لغتنا الجميلة" للصف الثالث فنجد أن الكتاب القديم قد تضمن درسًا عن خالد بن الوليد وبطولاته، وانتصاره على الروم في موقعة مؤتة (وهو أيضًا موقف عزة وشموخ وشهادة وبطولة وجهاد وحنكة قائد)، لكن خلا الكتاب الجديد من ذكر أي شخصية إسلامية.

إن مؤشر الوطنية يحتم علينا تعليم أبنائنا تاريخ بلادهم، وتعزيز التحامهم بها وحرصهم على العودة إليها، ولكن في الوقت نفسه علينا أن نعلمهم كيف نقتلع هذا المحتل ونطرده من أرضنا، حتى نتمكن من العودة إلى أرضنا المسلوبة.

ملفات أخرى متعلفة