أوسلو والأمن والدولة المنشودة

رامي منصور
الجمعة ١٤ ١٠ / ٢٠١٦
قام المشروع الصهيوني منذ تأسيسه على أرض فلسطين على ركنين أساسيين؛ هما الهجرة والاستيطان, هذان الركنان يعتمدان بشكل أساسي على عنصر الأمن, الذي يمثل البيئة الضرورية الجاذبة للهجرة, والمحفزة لبناء وتوسيع المستوطنات, التي قامت على اغتصاب الأرض الفلسطينية. لذلك شكل الأمن ولا يزال؛ الهاجس الدائم للقادة الصهاينة، واعتُبر من الثوابت الأساسية التي يقوم عليها هذا الكيان الاستيطاني الإحلالي, وبالتالي فغياب الأمن يعني تقويض المشروع الصهيوني من أساسه.

ومنذ إبرام اتفاق أوسلو قبل ما يزيد عن عقدين، وما تمخض عنه من قيام السلطة الفلسطينية, ارتبط هذا الاتفاق بجملة من الاشتراطات والارتباطات الأمنية ذات البعد الميداني والعملياتي والتنسيقي. وفر الجانب التطبيقي لهذه الاشتراطات التي أنيطت بالسلطة الفلسطينية؛ بيئة أمنية مثالية للاحتلال, وساهم بشكل كبير في توفير المناخ المناسب لعملية التمدد الاستيطاني، ومصادرة الأرض وتهويد المعالم.

أوسلو التي أعطت في الأساس الأحقية للصهاينة في ما نسبته 62% من أرض الضفة الغربية, أدت إلى تغيير ديمغرافي كبير لصالح دولة الاحتلال, فقد ارتفع عدد المستوطنين من حوالي 120 ألفا عند بداية أوسلو, إلى ما يزيد عن 750 ألفا حالياً, حيث وصلت نسبة النمو السكاني إلى حوالي 5.8% في الضفة, بينما تبلغ حوالي 1.8% في دولة الكيان. كما زاد عدد المستوطنين في شرقي القدس المحتلة نحو ثلاثة أضعاف خلال نفس الفترة, إذ يُقدر عددهم حالياً بحوالي 300 ألف مستوطن. هذه التغيرات الديمغرافية الكبيرة أدت إلى تآكل خطير في مساحة الأرض, حيث لم يتبقَ من مساحة الضفة سوى 38%, أما القدس فلم يتبقَ منها سوى 13% في يد الفلسطينيين.

تُشكِّل الأرض الرصيد الأساسي لمشروع الدولة الفلسطينية المنشودة, حيث تُمثل الدولة المرحلة النهائية من مشروع الحكم الذاتي الانتقالي, حسب التصور الأوسلوي. رصيد الأرض في حالة تناقص مستمر ومتسارع, في ظل حكومات تزداد تطرفاً, ونهماً لسرقة الأرض, فما تبقى منها لا يكفي لأن يشكِّل الحد الأدنى المطلوب لقيام أي دولة طبيعية قابلة للحياة.

لذلك فإن ما نَتصنَّع به من بكائيات استعراضية في محافل العالم, لن يُخفي حقيقة أننا ساهمنا بإصرار وبشكل ممنهج؛ في توفير بيئة آمنة لعدونا. هذا الأمن الذي صنعناه بأيدينا أو ساهمنا في صناعته؛ قد سُلبت به أرضنا وقوض به حلم دولتنا. هذا الخطأ أو قل الخطيئة التاريخية لن تُمحى آثارها إلا بعملية تصحيح تاريخية, تُعتَمد فيها المنهجية الفطرية التي يمكن أن تتحرر بها الأرض وتنعتق بها الشعوب وفق السنن الطبيعية, وهي المقاومة بكل أشكالها.

ملفات أخرى متعلفة