ماذا تريد القدس الآن

علي بدوان
السبت ٠٤ ٠٨ / ٢٠١٢
خلال 46 عاماً من الاحتلال الكامل للمدينة المقدسة بجزئيها الشرقي والغربي، عملت سلطات الاحتلال الإسرائيلي على إحداث أوسع عملية تهويد في مدينة القدس، فبنت فيها 11 حياً استيطانياً، كل منها يعتبر مدينة، وسيطرت على 40% من العقارات في البلدة القديمة وعلى مبان عديدة في الأحياء العربية.
ووطنت المستوطنين فيها، وبنت جداراً يقطع صلاتها بأحياء وقرى محيطة وعن الضفة الغربية، وأهملت الأحياء العربية تماماً. كان الهدف من هذه الإجراءات هو تيئيس سكانها الفلسطينيين وتقليص نسبتهم إلى 25% من سكان الشقين معا.

لكن هذه الناحية في مخطط التهويد فشلت، وفقا لإحصاءات وزارة داخلية الاحتلال. والتقديرات للمستقبل تؤكد استمرار هذا الفشل، حيث إن نسبة الفلسطينيين ترتفع عن المعدل العام كلما صغر سنهم. فالشباب في جيل 18 عاماً، يتساوى تقريبا عددهم: 9502 من اليهود، مقابل 9292 من العرب، أي أن الفلسطينيين منهم يشكلون نسبة 49%، وهو مؤشر هام ويحمل أكثر من دلالة. وفي جيل 16 عاماً: 9462 من اليهود، و 9064 من العرب.

ومع ذلك، وعند الحديث عن الوجود البشري والسكاني، ورغم مشاريع الاستيطان والتهويد الضخمة والإجراءات القمعية لترحيل المواطنين العرب عن القدس، فإن سلطات الاحتلال لم تفلح ولم تنجح كما أرادت في تقليص نسبة المواطنين العرب الفلسطينيين من سكان القدس، أصحاب البلد الأصليين.

وإذا قيض لوتيرة النمو السكاني الطبيعي (الولادات ـ الوفيات) أن تبقى فيها على حالها اليوم، فإن نسبة المواطنين العرب ستزيد أكثر وستقترب من النصف. ففي إحصاءات جديدة نشرتها وزارة داخلية الاحتلال قبل فترة قصيرة، جاء أن عدد سكان القدس المحتلة اليوم، بشقيها الشرقي والغربي، بلغ 933 ألفا و113 نسمة، بينهم 320 ألف فلسطيني. وأنه، حسب وتيرة النمو في السنة الماضية (حيث زاد عدد سكانها بـ81891 نسمة)، سيصبح تقريبا مليون نسمة، وستظل نسبة العرب فيهم 34%.

وعليه، فقد أدت تلك العمليات التهويدية الإجلائية الاستعمارية، لابتلاع المزيد من أراضي المدينة وما حولها من أبنائها المقدسيين، الذين لم يبقَ في أيديهم سوى 11% تقريباً من مساحة القدس الشرقية. فقد نهش غول الاستيطان المدينة على محيطها وفي داخلها، وتحديداً في الأحياء القديمة التي بدت منذ سنوات هدفاً رئيسياً لعمليات القضم والتهويد، حيث يتم التحايل على أصحاب تلك المنازل بمصادرتها بالقوة أو بالمصادرة مع التعويض المحدود، تحت عنوان إنشاء حدائق أو محميات طبيعية أو غير ذلك من العناوين.

ومنها منزل مفتي فلسطين وبلاد الشام، المرحوم الحاج محمد أمين الحسيني وما يحمله من دلالات ورمزيات، والذي صودر وتم تحويله إلى فندق صهيوني (فندق شيبرد). ولكم أن تتصوروا أن مشروع إقامة ما يسمى "متحف التسامح" (لاحظوا متحف التسامح)، سيتم وفق المخطط الإسرائيلي، على أجساد الأموات والشهداء في مقبرة "مأمن الله" الإسلامية التاريخية في القدس، والتي تضم بين ثناياها رفات عشرات الشهداء من الصحابة، ومنهم الصحابي عبادة بن الصامت.

كما كانت "اللجنة اللوائية للتنظيم والبناء" في القدس المحتلة، أودعت قبل أيام قليلة مخططاً هيكلياً لمركز يهودي في ساحة البراق من الجهة الجنوبية للمسجد الأقصى المبارك، بالإضافة لمخطط آخر لبناء مركز يهودي في الجهة الغربية لساحة البراق، مقابل باب المغاربة.

وفي المحصلة، باتت المدينة المقدسة تعيش لحظات حاسمة وعصيبة، في وقت لم يعد فيه الصمت ممكناً، ولم يعد فيه أيضاً مجرد الكلام والجمل الإنشائية كافية لنصرة المدينة وإنقاذها وإنقاذ أهلها من أخطبوط التهويد الزاحف.

ولم تعد البيانات الاستنكارية وبيانات التنديد والشجب ذات مفعول أو تأثير على مسار ما يجري في المدينة المحتلة، وما يجري في حق الأقصى وعموم الأماكن المقدسة الإسلامية والمسيحية. فالشعب الفلسطيني لم يعد يطيق أصوات الشجب والإدانة، بل يريد أن يرى إجراءات واستراتيجيات على الأرض.

فالمشكلة كانت على الدوام أن الخطاب السياسي العربي والإسلامي تجاه القدس، كان وما زال على حاله منذ الاحتلال الكامل للمدينة بجزئيها الشرقي والغربي عام 1967، مشبعاً إلى حدود التخمة بالجمل الإنشائية، ومليئاً بالمناشدات الوجدانية لعموم الهيئات الدولية، من أجل نصرة القدس وشعبها ومواطنيها.

في وقت لم تعد فيه تلك المناشدات تُسمن أو تغني من جوع، ولم يعد العالم، خصوصاً بعض الدول المتحكمة في القرار الأممي، يريد أن يسمع المناشدات والنداءات أو يلتزم بالمواقف المبدئية والقانونية، بل يريد دوماً أن يسمع لغة المصالح. فالدول المهيمنة لا تأبه لميزان الأخلاق أو لعدالة القضايا المطروحة، بمقدار ما تنشّد نحو خيارات لها علاقة بمصالحها واستراتيجياتها في المنطقة العربية وعموم الشرق الأوسط، ومنها فلسطين وقضيتها.

إن مدينة القدس لا تحتاج لخطابات تنظيرية أو مواقف إعلامية وخطاب إنشائي، إنها تحتاج لمواقف عملية تتجاوز المزايدات اللفظية، وتسعى نحو توفير الدعم الحقيقي وعلى كل المستويات، لأبناء المدينة ولعموم مؤسساتها الوطنية الإسلامية والمسيحية، التي تقف شامخة في الدفاع عن الوجود الإسلامي والمسيحي التاريخي في مدينة القدس، رغم ما تواجهه من تحديات خطيرة.

ملفات أخرى متعلفة