في المقاومة.. الخيـــار الـصعـب

د.عصام عدوان
الأربعاء ١٠ ١٠ / ٢٠١٢
يتعرض الفلسطينيون في سوريا لخيارات صعبة، فالبقاء مكانهم يُعرضهم للقتل والدمار تماماً كالشعب السوري، وهذا يحصل لهم بالفعل سواء انخرطوا في الأزمة السورية إلى جانب الشعب أو النظام أو بقوا على الحياد. والخيار الثاني: أن يتسللوا لواذاً في موجة لجوء جديدة إلى دول الجوار، والتي لم يكن من بينها حتى الآن اللجوء إلى أراضيهم المحتلة عام 1948م داخل ما يسمى (بإسرائيل). وهم لا يحصدون حياة كريمة، ولا أمناً جرّاء لجوئهم إلى دول الجوار.

لا أحد يتناول مستقبل اللاجئين الفلسطينيين في سوريا. ويبدو أن مصيرهم حتى هذه اللحظة رهينة لتطورات الأزمة في سوريا. وهذا يعني أنهم يسيرون نحو المجهول. ولا يمكن ان تستوعب القيادات الفلسطينية على اختلافها فكرة تجاهل مستقبل اللاجئين الفلسطينيين في سوريا . بل إن المسئولية والأمانة تقتضي أن تبذل القيادات الفلسطينية كل ما بوسعها لتوفير مكان آمن لهم، من خلال التواصل الكثيف والمباشر مع كل دول الجوار السوري التي استقبلت أعداداً من الفلسطينيين، لبحث فرص إقامتهم المؤقتة، وتوفير الحياة الكريمة والأمن لهم.إن هذا الجهد المسئول – إذا ما بُذِل – قد يخفف من وطأة معاناة فلسطينيي سوريا، لكنه لن ينهيها، ولن يعوضهم عن أرضهم السليبة التي احتلتها (إسرائيل) عام 1948م.

وهو جهد لا يصب بكل الأحوال في طريق عودتهم إلى فلسطين، بل يرسِّخ شتاتهم بداعي النوايا الحسنة.
إن الخيار الصعب، لكنه الأكثر جدّية، هو في توجُّه فلسطينيي سوريا نحو أراضيهم المحتلة عام 1948م، مروراً بالجولان المحتل او عبر الأراضي اللبنانية. إن هذا الخيار بحاجة أولاً إلى تبني القيادة الفلسطينية له وتوفير كل وسائل الدعم والغطاء الإعلامي واللوجستي والدبلوماسي لتنفيذه. ثم تشجيع اللاجئين الفلسطينيين في سوريا على خوض غماره. إن حقوق الفلسطينيين يجب أن تُنتزَع انتزاعاً، مستفيدة قدر الإمكان من القرارات الدولية ومبادئ حقوق الإنسان، ومن حالة الإرباك التي تعيشها المنطقة والعالم جرّاء الأزمة السورية. من الواجب على القيادة الفلسطينية تهيئة الظروف الدولية لتقبُّل فكرة عودة هؤلاء إلى موطنهم الأصلي من فلسطين، ويجب توجيه وسائل الإعلام ومراكز الدراسات لدعم هذه الفكرة وتوجيه الفلسطينيين والرأي العام لها. ويجب توفير فِرق ومجموعات عمل توجِّه اللاجئين الفارّين من سوريا باتجاه فلسطين المحتلة، وتوفير الخيام واحتياجاتهم من الطعام والماء والكساء في طريق عودتهم إلى فلسطين.

على القيادة الفلسطينية إجراء اتصالات مع القيادة السورية بأي طريقة كانت لتوفير خروجٍ آمن للفلسطينيين من سوريا. ويجب الاتصال مع قيادة حزب الله لتوفير طريق آمن للاجئين الفلسطينيين الجنوب اللبناني الخاضع لسيطرة حزب الله. كما يجب التواصل مع وكالة الغوث الدولية لتوفير احتياجات اللاجئين اللوجستية وضرورة أن تتواجد بينهم أثناء تنقلهم باتجاه فلسطين أو عند مرابطتهم على حدودها أو عند محاولتهم دخولها، حيث من الواجب أن ترفع الأونروا علم الأمم المتحدة على تجمعات اللاجئين الفلسطينيين، لأن تحركهم نحو فلسطين يأتي في سياق قرارات الأمم المتحدة لعودة اللاجئين الفلسطينيين. ومن الواجب أن تعلو أصوات الفلسطينيين في كل مكان لتطالب الأونروا بتأمين حياة اللاجئين وهم يحاولون دخول أرضهم المحتلة.
إنه لا مبرر، البتة، للخوف من (إسرائيل) وردّة فعلها. فلتفعل ما بدا لها، فإن قوة الحق الفلسطيني ستغلب حتماً باطلهم، كما قال الله تعالى: "بَلْ نَقْذِفُ بِالْحَقِّ عَلَى الْبَاطِلِ فَيَدْمَغُهُ فَإِذَا هُوَ زَاهِقٌ .."(الأنبياء 18). وسيترتب على هذه الخطوة التاريخية فوائد، منها:
1. بعث قضية عودة اللاجئين إلى موطنهم في فلسطين بعد أن نسي العالم هذه القضية أو كاد.
2. توفير هدف سامٍ يُجمِع عليه الفلسطينيون ويستحق منهم التوحد عليه والعمل في سبيله.
3. إنقاذ فلسطينيي سوريا من عواقب الأزمة السورية.
4. إحراج (إسرائيل) ووضعها في الزاوية، حيث من الواجب ألا تكون في مأمن مما يحصل في سوريا، ويجب أن تتحمل نصيبها في الأزمة كما تحملت دول الجوار السوري ذلك.
5. ستصبح (إسرائيل) وجهاً لوجه مع ما تخافه وتحذره، ألا وهم اللاجئون الفلسطينيون. وستنكشف سوأتها أمام العالم وعبر الإعلام الكثيف الذي سيغطي هذه اللحظة التاريخية، فادعاء المدنية والتحضُّر شيء، وممارستهما شيء آخر.
6. وضع العالم والأمم المتحدة ودول الربيع العربي أمام مسئولياتهم تجاه اللاجئين الفلسطينيين، حيث يُجمِع الجميع على حقهم في العودة، فها هم يعودون، وعلى العالم دعم خطوتهم تلك والضغط على (إسرائيل).
7. في أسوأ الأحوال ستتمكن (إسرائيل) من منع اللاجئين من اقتحام الحدود الشمالية. وفي هذه الحالة سيرابط اللاجئون على السياج الحدودي لتبدأ حرب إعلامية ضاغطة على إسرائيل وحلفائها.
8. سيدرك العالم المتهاون تجاه الشعب السوري المنكوب أن استمرار الأزمة السورية سيكون له عواقب ستطال (إسرائيل). وقد يكون هذا الحراك الفلسطيني مدخلاً للإسراع في معالجة الأزمة السورية منعاً لأي تطورات تنال من (إسرائيل).
إن الخيار الصعب في هذه الحال هو الخيار الأمثل الواجب القيام به في أسرع وقت. ولا نامت أعين الجبناء.

ملفات أخرى متعلفة