وليد خالد.. عذرًا حين تغيب الضمائر

علاء الريماوي
الأربعاء ١٠ ١٠ / ٢٠١٢
في ذكريات العمر تظل بعض المواقف راسخة تؤثر فيك، تشدك، وترفع همتك في ساعة الانتكاسة والإحباط، في مساحات العمر تختلف الابتلاءات في النوع، لكن يشترك الناس في قيمة الوجع الذي يصاحب النفوس، فينقسم الناس معها بين: صابر يواري دمعه تجملًا واحتسابًا، وصنف تأخذه هواجس الانهيار إلى هاوية قاتمة ومعتمة.

في حكايتي مع الأيام شاءت أقدار الله اللقاء في السجن مع رجل بليغ الصمت، راسخ الخطى، حكيمًا في المواقف، رائعًا في الشدائد، مليئًا حين مكابدة الأيام بالعزيمة الدافقة التي عرفناها في دهاليز الزنازين الكئيبة.

الرجل هذا هو وليد خالد: إعلامي فلسطيني مجاهد مقاتل، عارك الحياة من خلال حفظه المتقن لكتاب الله، شق طريقه شابًّا على موائد التربية والتنقية، حتى غدا قدوة الشباب في الفعل الإنساني، الذي تحول معه إلى رسالة في جامعات الوطن وهو يرسي وصحبه رواية فلسطينية رائعة كبرت معه حتى تحولت إلى فعل مقاوم واجه المحتل، فدفع ضريبته أكثر من خمسة عشر عامًا، ما كسرت روحه، ولا هزمت عزيمته التي عرفناها في مواجهة السجان .

تعرفت إليه في عام 1994م في سجن مجدو، كان حينها شابًّا وكنت شبلًا، لكن ذاع سيطه بين أقرانه، حتى شهدنا له تفوقًا على شيوخه في الخطابة، والكتابة، والأهم في حركة التأثير ونمط القيادة.

مضت الأيام وزاد معها وليد تقدمًا وتميزًا؛ فعاقبته سلطات السجن بالعزل الانفرادي، ومنعته من الاختلاط بالمعتقلين؛ فاستغل وقته كاتبًا، وباحثًا، ومساندًا لإخوانه الذين صحبوه في رحلة العزل الطويلة، حتى عرفه صحبه من الفصائل رائد الفعل في المفاصل الصعبة.

الريادة هذه وضعته في درجة الاستهداف القصوى بداية الانتفاضة الثانية بعد اغتيال مجموعة من أصحاب قيده، الذين قضى معهم زهرة شبابه، فعرض أيامها لتحقيق عسكري قاسٍ زاده إيمانًا بعدالة قضيته، ثم انتقل بعدها للاعتقال الإداري، فأضحى مع السنوات أحد أهم عمدائه.

في رحلة الأيام تلك مازلت أذكر وقوفه بين جموع الأسرى خطيبًا، ومحاضرًا، ومربيًّا يقلب دفات القلوب، يأخذها إلى المعاني الإيمانية حتى بات في سجن النقب الصحراوي مرجع الوحدة ومنبر الالتقاء ساعة خلاف السياسة الذي أفسد فطرة القلوب المتحابة.

في متابعة الإعلام العبري هذه الأيام اهتمت وسائله بتكريم جنود الاحتلال الذين شاركوا في حرب أكتوبر على الجبهة المصرية والسورية، من بين من كرموا مجموعة من القتلى الذين يجهل هويتهم الجيل الجديد في دولة الكيان، لكن حرصت المؤسسات الثقافية على إبراز دورهم، وإحياء ذاكرة الجيل الجديد (ببطولاتهم تجاه العرب)، فألفت في ذلك الكتب، وعقدت لأجل ذلك الندوات، فضلًا عن أنه يمكن للباحث الرجوع إلى مئات الإصدارات المهمة التي تحكي عن ذلك.

في المقابل ينجح الفلسطيني في الرد على الكيان بمخالفته، ومقاومته في هذا الجانب، فيكون نصيب وليد بعد إطلاق سراحه من المعتقل (الإسرائيلي) بأسبوعين السجن على يد السلطة الفلسطينية المبجلة، حارمين إياه لقاء أسرته، بل ممعنين في محاسبته على حب الناس له وتاريخه الوطني المشرف.

وليد حين هممت بالكتابة عنه توقفت طويلًا؛ كي لا أزيد حديث السوء الذي نعيشه في الضفة الغربية، وانقلاب الثقافة الوطنية التي يعيشها بعضٌ فلسطيني أقسم على تغييب كل منبر جامع.

في السنة الماضية كتبنا عن اعتقال عمر البرغوثي لدى الأمن الفلسطيني، وقلت حينها: أجرمت فتح التي تعرف عمر وعقليته التي منعت نزف دم في الضفة الغربية، وهو يتنقل بين مدن الضفة زائرًا للشباب المعذبين قائلًا لهم: "وجهة الفلسطيني الاحتلال، والعلاقة مع الفلسطيني الذي ضل الطريق سؤال الله له الهداية".

وليد من هذا الصنف، الذي ظل منبرًا رائدًا في الدفاع عن الوحدة، ونبذ التطرف، والدعوة إلى الاحتمال. فتح اليوم تعيد مجزرتها مع شخص وازن في الضفة على هذا المنهج.

هذا الحديث يدفعني إلى توجيه أسئلة مهمة إلى مركزية فتح: ما الذي تريده من رسالة اعتقال هذه الشخصيات الوطنية؟، إلى أين تتجه في بناء الضفة الغربية؟

إخواني، هذه التصرفات ستنهي الفرصة التي يمكنها إعادة اللحمة، وستحول دعاة الحب إلى منظرين يتحدثون عن ضرورة الانتقام، وهذا ما نخشاه.

اليوم بات من الضروري على راسم السياسة في السلطة الفلسطينية الإدراك أن الظلم ظلمات، وأن المناضل الفلسطيني مكانه قلوب الناس لا قتامة الزنازين، وأن التاريخ المشرف الذي صنعه الشهداء من: فتح وحماس والجهاد (...) هو البوصلة الوحيدة القادرة على تصحيح المسار. وفي الختام الحرية لأخي وليد، وسؤال الهداية لمن فسدت فطرتهم وأمعنوا في أذية الشرفاء.

ملفات أخرى متعلفة