ضد البنطال الساحل.. وضد حملة البنطال الساحل

د.تيسير إبراهيم
الاثنين ١٥ ٠٤ / ٢٠١٣
أريد أن أتجاوز النقاش حول هل يوجد حملة أم لا يوجد حملة ضد البنطال الساحل، فالواضح على الأرض وجود تحرك ما من الشرطة ضد لابسي البنطال الساحل سميناها حملة، سميناها شيئاً آخر ليس مهماً.

كما أريد أن أتجاوز النقاش حول قضية الموقف الشخصي من البنطال الساحل الذي يشكل ظاهرة سيئة بكل معايير الدين والاجتماع، فكم من المظاهر الجارحة للمشاعر، والخادشة للحياء التي رأيناها من لابسي البناطيل الساحلة.

المهم أن هناك مجموعة مسلمات لا يحق لأحد تجاوزها، والخروج عن مقتضاها، ومن أهم هذه المسلمات أن مسؤولية الشرطي هي إنفاذ القانون، فالشرطة في الدولة من الجهات المكلفة بإنفاذ القانون، في جميع الأوقات، وليس في وقت دون وقت، ودور الشرطة حماية الأفراد من الأعمال غير القانونية.

وعلى رأس الأعمال غير القانونية الاعتقال، أو الاحتجاز خارج ما ينظمه القانون لهذه العملية خطيرة الشأن، فإذا خالفت الشرطة هذا الدور وأصبحت هي من يمارس خرق القانون فقد ضاعت الدولة، وضاع أمان الأفراد فيها.
ومن هذه المسلمات أن القانون هو الملاذ الآمن، والحصن القوي لحماية حقوق وحريات الناس وكراماتهم، وهو المرجع عند الخلاف، والنزاع، فإذا اختلف الناس فإلى ماذا يحتكمون إن غاب القانون؟ هل سيحتكمون إلى الأهواء، والأمزجة، والتفسيرات، والاجتهادات الفردية؟ والاحتكام إليها مسكون، ومحفوف بمخاطر جمة.

ومن هذه المسلمات أن من حق الدولة التدخل في الحريات الشخصية لكن في أضيق الحدود التي تمس بالآداب العامة، ومنظومة القيم الدينية، والاجتماعية التي تحكم المجتمع، فالتدخل يجب أن يحكم بأمور أولها أنه – أعني التدخل في الحريات الشخصية- ينبغي أن يكون هو الاستثناء وليس الأصل، لذا ينبغي أن يكون في أضيق الحدود، ثم هذا التدخل يجب أن يوكل من جهة كونه قانوناً إلى السلطة التشريعية المعبرة عن إرادة الشعب، وأن يتم بعد ذلك التدخل وفق آليات قانونية، وليس وفق اجتهادات شخصية.

قد يعترض البعض بأن الحريات الشخصية ومنها اللباس غير قابلة للتقييد بحال، والحقيقة أن هذا الكلام غير صحيح حتى في أعرق التجارب الديمقراطية، فاللباس محكوم في كل دول العالم بما لا يخل بالآداب العامة والقيم التي تحكم البلد، فعلى سبيل المثال هل يسمح في أمريكا، أو إنجلترا، أو فرنسا للعراة بالمشي في الشوارع، حتى أن هذا الأمر غير مسموح به على شواطئ البحر في هذه الدول، ولا أنسى أنني صيف العام الماضي قرأت أن رئيس شرطة باريس قد أصدر قراراً يطالب الباريسيين بالاحتشام، وبمنع الملابس (الفاضحة) التي تظهر الأعضاء التناسلية- هكذا كان القرار.

بل ووصل الأمر بالنص في هذا القرار على عقوبات قد تصل بالغرامات على المخالفين إلى 3750 يورو مع عقوبة سجن لمدة سنتين، وقد كان مسوغ القرار بأن هذا اللباس يخل بالآداب العامة المنصوص على رعايتها وعدم الإخلال بها في القانون الفرنسي.

والآداب العامة تختلف باختلاف الأعراف، والمجتمعات، فليس هناك اتفاق قانوني عام يضبط اللباس المخل بالآداب، أو يعرف الإخلال بالآداب العامة تعريفاً دقيقاً لا يختلف باختلاف البيئات والأعراف، نعم الأصل أن لا يترك هذا الأمر لاجتهادات شخصية ولو من كبار المسؤولين؛ لأن الاجتهادات الشخصية ستختلف من شخص لآخر، بل يوكل الأمر كما قلت إلى السلطة التشريعية المعبرة عن إرادة الشعب، وعليه فليس في منع نوع من اللباس- مما يخل بالآداب العامة – ما يعتبر تعدياً على الحريات الشخصية.

والحقيقة أنني أحببت تقرير هذه الحقيقة لأن بعض من تناول حملة تدخل الدولة في الحريات الشخصية ومنها اللباس ثم اعترضوا على إجراءات التنفيذ، لو فعلوا ذلك لهان الأمر.

ومع كل ما سبق فإنني ضد حملة البنطال الساحل- قد يبدو هذا تناقضاً للبعض وليس الأمر كذلك-
أما أنني ضد حملة البنطال الساحل فلعدة اعتبارات بعضها أهم من بعض، ولن أطول في اعتبار التوقيت فهناك ملاحظات قد يختلف حولها فيما يتعلق بالتوقيت.

ثم أي حملة لها أبعاد اجتماعية تحتاج إلى حملات نوعية، وتمهيد قبل تنفيذها بما يرفع اللوم بعد ذلك عن الجهات المنفذة.

ثم من النقد الذي يمكن أن يوجه للحملة أننا كشعب نريد أن نعرف بشكل واضح هل يوجد حملة أم أنه لا يوجد، حيث لم يصدر عن الحكومة حتى اللحظة ما يؤكد، أو ينفي هذه الحملة إلا ما صدر بشكل شخصي من م. إيهاب الغصين على صفحته على الفيس بوك من نفي لهذه الحملة.

فإن كان هناك حملة فلتعلن الحكومة ذلك بشكل واضح، وجريء ولتتحمل المسؤولية الكاملة عن هذه الحملة وما يدور فيها فليس فيها من حيث المبدأ ما يعيب، وما يستخفى منه، وإما أنه لا توجد حملة، وهذا يلزم الحكومة بمحاسبة المسيئين الذين تصرفوا بشكل سيئ مع أبناء شعبنا.

والنقد الأكبر يتوجه على إجراءات تنفيذ هذه الحملة فهل يعقل أن يعالج التجاوز القانوني- على التسليم بأن البنطال الساحل يعد تجاوزاً قانونياً- بتجاوز قانوني أكبر ربما يجرم عليه القانون، وأنا هنا لا أريد أن أدخل في بعض ما سمعت، أو قرأت لعدم التحقق منه حول أخطاء وقعت أثناء تنفيذ الحملة إن صحت فإنها بصدق، وإخلاص نصح تحتاج لمحاسبة ومراجعة المسؤولين عنها.

ثم إذا كان هناك حملة على البنطال الساحل فما علاقة الحملة بالشعر؟ فلا أحد يرغب في توسيع دائرة تدخل الدولة في الحريات الشخصية.

ومن النقد المهم الذي يمكن أن يوجه للحملة تلك الآثار، والتوابع التي يمكن أن تفتح لها هذه الحملة الباب وأعني هنا تجاوزات الأفراد بحق الأفراد بدعوى مخالفة اللباس للآداب العامة، فقد تنامى إلى الأسماع أن اعتداءً وقع على فتاة برش الكلور على ملابسها بهدف تخريب هذه الملابس التي يراها البعض بأنها خادشة للحياء، ومن حقنا أن نتخوف، وأن نتساءل هل يمكن بعد ذلك أن نشهد اعتداءً بالكلور على لابسي البدلة، وربطة العنق بدعوى أنها من لباس الكفار، أو تحت أي دعوى، أو مبرر آخر.

وأخيراً فإنه لا ينبغي إغفال مدى الأثر النفسي الذي يمكن أن يحدثه اعتقال فتى وإهانته بسبب قد لا يراه هو، ولا ذووه كافٍ في هذه الإهانة في الوقت الذي لم يسعف هذا الفتى بأحد يتوجه إليه دعوياً يأخذ به بيد حانية عاطفة إلى طريق الالتزام، والتدين.

ملفات أخرى متعلفة