غابت سفيرة فلسطين وحضرت أجيال العودة (2-2)

د. أحمد محيسن
الجمعة ٣١ ٠٥ / ٢٠١٣
نعم، وهذه الحادثة تذكرني بما حصل في برلين قبل أعوام، عندما أردنا يوم ذكرى انطلاقة الثورة الفلسطينية الثانية والأربعين في برلين ضيافة الأخ القائد فاروق القدومي (أبي اللطف) رئيس الدائرة السياسية في منظمة التحرير الفلسطينية، وبدعوة من الجالية الفلسطينية في برلين، أردنا في الجالية الفلسطينية آنذاك أن يوقد الأخ القائد المقاوم الشعلة الثانية والأربعين من عمر هذه الثورة _وكان ذلك في التاسع عشر من يناير من عام 2006م_ مع أهله ومحبيه في العاصمة الألمانية برلين، وقد قاطع آنذاك تلك الاحتفالية السفير الفلسطيني في برلين السيد هايل الفاهوم، وكل طاقم السفارة، لا بل تم التحريض ضدها، والعمل على مقاطعتها وإفشالها، فلا استقبال للقائد القدومي من طاقم سفارة فلسطين في برلين، ولا مشاركة في احتفال الانطلاقة من طاقم سفارة فلسطين في برلين، ولا وداع للقائد القدومي عند المغادرة من طاقم سفارة فلسطين في برلين، وحضر آنذاك السيد سالم قواطين رئيس بعثة جامعة الدول العربية في برلين، حضر وحده مستقبلًا ومشاركًا ومودعًا للقائد فاروق القدومي، ولكن الاحتضان الجماهيري للقائد كان متميزًا، وعودًا للأرشيف كان لقاء تتمناه الخشب المسندة المحسوبة على الشعب الفلسطيني في تمثيله.

وهنا لابد للشعب الفلسطيني من قول كلمته في هذا المقام؛ فسفارات وممثليات ومكاتب فلسطين على امتداد رقعة هذا العالم في العواصم ما هي إلا حصيلة نضالات شعبنا وتضحياته، وإلا لما كانوا ولما كانت، ودفع شعبنا ثمنها شلالات من الدماء الزكية؛ لتكون لكل الفلسطينيين، وليست لفئة دون غيرها، ولتقوم بواجبها في تمثيل الشعب الفلسطيني وقضيته، وهي ليست كأنها علامة مسجلة لحساب فلان أو علان أو لفئة دون أخرى، فقد أصبح اليوم الذهاب إلى مؤتمرات "هيرتسيليا" التي تناقش أمن الاحتلال أولوية عند بعضهم، وأسهل لهم بكثير من المشاركة في نشاط فلسطيني جماهيري، ويجدون أنفسهم هناك، ومقاطعة الفعاليات الجماهيرية الفلسطينية مثل "مؤتمر فلسطينيي أوروبا" أصبح عند بعضٍ منهم أيضًا أمرًا طبيعيًّا، بل عقيدة وواجبًا لابد لبعض من تنفيذه؛ لكي يبقى ولكي يستمر ولكي يثبت ولاءه، ونستحضر هنا قصة السفير عفيف صافية، سفيرنا السابق في لندن، الرجل المحترم الذي مثل فلسطين خير تمثيل، كيف عوقب، وكيف حوصر، وكيف وكيف؛ لأنه تجرأ على قول: لا لا لا، لا لظلم ذوي القربى.

أشبال فلسطين حضروا إلى بروكسل من برلين بل من كل العواصم الأوروبية، وقد مثلوا فلسطين وكانوا خير سفراء لفلسطين وقضيتها العادلة، قضية أحرار العالم، فهي أعدل قضية تفتقر إلى المحامي البارع، هذا جيل العودة وهؤلاء هم سفراء فلسطين الحقيقيون، هؤلاء هم أبناؤنا وأحفادنا، هم السفراء الحقيقيون في بروكسل وبرلين وباريس وبودبست ووارسو وروما ومدريد وستوكهولم وكوبنهاجن وأسلو، وغيرها من العواصم الأوروبية، نعم أنتم سفراء فلسطين الحقيقيون، وليس غيركم، أنتم الذين تصرون على العودة وترفعون شارات ورايات العودة والنصر، أنتم قادتنا ولكم تحنى الهامات.

إن مؤتمر فلسطينيي أوروبا الحادي عشر في بروكسل كان لوحة تراثية فنية بامتياز، بل كان تظاهرة جماهيرية عارمة، الجمع الغفير يهتف: "الشعب يريد تحرير فلسطين"، وكاد صدى صوت الجماهير أن يوقظ من هم في القبور، ولكنه لم يوقظ سفيرة فلسطين في بروكسل السيدة ليلى شهيد من غفوتها بل من سباتها، التي تقطن في بيت صنعه وبناه وشيده وأقامه شعب الجبارين، كما وصفه الشهيد الراحل أبو عمار، شعب الجبارين هو جبار بتحمله العذابات، وبتحمله التضحيات الجسام، ومن يجلس في بيت شيده شعب الجبارين لكي يمثله يجب أن يقدر ذلك، ويجب أن يكون من الجبارين وينتمي إلى شعب الجبارين انتماء حقيقيًّا، وليلى شهيد لم تفعل ذلك، ولم تحضر مؤتمر العودة، ولم تقدر تضحيات شعبنا، ولم تحترم الأجيال الفلسطينية التي تقاطرت من كل العواصم الأوروبية لتقول كلمتها في عاصمة أوروبا (بروكسل).

هنيئًا لمن قدم وشارك وحضر ورفع العلم الفلسطيني وأقام التراث الفلسطيني، ونادى بصوت واضح مرتفع في بروكسل، صوت حر مخلص: "لا عودة عن حقنا في العودة"، و"فلسطين حرة عربية أبية"، صوت سمعته بالتأكيد صفد وحيفا ويافا، واللد والرملة وعكا، والكرمل والناصرة وكل الجليل الفلسطيني، وسمعته كل البلدات الفلسطينية المغتصبة، فثرى فلسطين يسمع من يناديه بقلب مخلص صادق بأننا عائدون، ويرفض التفريط بذرة من ترابه، كل الاحترام لكل الإخوة والأخوات القائمين على هذا العرس الفلسطيني، ومن تفوق إلى تفوق في صناعة النصر والعودة.

ملفات أخرى متعلفة