أموال العرب...واحسرتاه!

سري سمور
الجمعة ٢٣ ٠٨ / ٢٠١٣
علمونا ونحن صغار عن نعم الله تعالى الكبيرة علينا معشر العرب؛ خاصة نعمة الثروات الطبيعية الهائلة، لا سيما «الذهب الأسود» أي النفط عصب الصناعة الحديثة، ولطالما درسنا في صغرنا عن الوحدة وضرورتها، وأشبعنا تلقينا بأن العرب أمة واحدة، مزقها الاستعمار، وأن الحدود بين بلادنا العربية هي حدود مصطنعة، وتعلمنا قصصا عدة ترمز إلى الوحدة مثل قصة عصيّ أكثم بن صيفي، وقصة الثور الأبيض وغيرها، وعشقنا الأغنية التي كتبها فخري البارودي، وكنا نتنافس على ترديدها أي أغنية بلاد العرب أوطاني،وقيل لنا كلام كثير عن وطن عربي يكمّل بعضه بعضا؛ فيه أراضي السودان الشاسعة الخصبة، ومصر صاحبة الموارد البشرية الكبيرة التي ستزرع هذه الأراضي، والخليج الذي سيموّل هذا الاستصلاح، وعن المغرب العربي وموقعه الاستراتيجي، وعن الهلال الخصيب...وكل منها يكمل النـقص عند الآخر.

كبرنا لنفيق من حلمنا الجميل؛ واكتشفنا أننا كنا نحيا في سراب خادع؛ فالحدود المصطنعة مقدسة وهناك حرص على بقائها من العرب أنفسهم، وأدركنا أنه لا تكامل ولا تعاون بل تنافر وتبعية للأجنبي، وأن حالتنا أشبه بحالة فترة ملوك الطوائف في الأندلس.

أما الثروات وخاصة النفط، والبترودولار، فهي من أكبر النعم التي انقلبت علينا نقما تتبعها نقم؛ فهذا النفط لم يكن لنا دور لا في اكتشافه، ولا في استخراجه، ولا في تكريره، ولا في تصنيع الآلات التي تعمل به، أما الأجانب فهم المكتشف والمستخرج والمصنّع، وقد جلب طمعهم بنا، ودفعهم الحرص عليه إلى زرع (إسرائيل) فوق أرضنا، وليس لنا سوى البترودولار، وليتنا أحسنا استثماره واستخدامه، أما سلاح النفط العربي، فلم نستخدمه إلا في فترة عابرة أيام الراحل الملك فيصل-رحمه الله-.

والبترودولار كان وما زال عاملاً مهماً من عوامل الفرقة والتشرذم، واستخدم لشراء أسلحة من مصانع الخواجات تصدأ في المخازن، واستخدم البترودولار في تمويل قادسية صدام المزعومة، ثم استخدم من أجل تحطيم صدام ومحاصرته.

أما البحث العلمي، والتنمية بفروعها المختلفة، فلا حظ ولا نصيب يذكر لها...وأما فلسطين فإن البترودولار كان في خدمتها من غير منٍّ ولا أذى، وساهم في تحريرها، فهي حرة عزيزة منذ عقود!
وقد بات حالنا حين استفقنا من الحلم الجميل، هو حال قصيدة نزار قباني (لا ليس هذا وطني الكبير)!

(2)
لو أن البترودولار استثمر لتحقيق أي هدف سام من أهداف الأمة، أو تطلعاتها التي لطالما تغنينا بها، لكان النجاح مؤكدا، إلا أن البترودولار لم يستثمر جيدا في أي من الأهداف السامية، اللهم إلا ارتجالا وبلا تخطيط، وبلا استمرارية، وبمزاجية أو خضوعا للمزايدات السياسية الإقليمية والدولية، وحسابات داخلية، وأكثر ما استثمر فيه البترودولار هو تمويل حروب أو صراعات لا علاقة لنا بها، وفي شراء السلاح والآلات من الغرب، أو في دعم المسيرة الفنية الميمونة للمطربات والراقصات، وفتح قنوات الطرب والأنس والفرفشة.

أما اليوم فإننا نسمع ونرى البترودولار الخليجي يقدم لطرف على حساب طرف آخر في مصر الكنانة، في سبيل «استعادة طريق التحوّل الديموقراطي»، علما بأن هذا البترودولار أعلن صراحة وقوفه ضد مسيرة الربيع العربي، مستخدماً كل شيء لوقفها، واليوم نراه يقف مع الحكم الجديد في مصر، والتي تشهد انـقساما واضحا بين من يرى أن ما جرى انقلاب عسكري مكتمل الأركان، وبين طرف يرى أنه «يصحح المسار» وهو الطرف الذي يموّله البترودولار، والنتائج أمامنا تظهر تباعا، وبحار الدم تسيل فوق شوارع وميادين المحروسة.

إنني لا أستطيع كتم أو كبح قناعتي التامة بأنه لو صب علينا نزرا يسيرا من أموال النفط قبل سبع سنوات لما وقع الاقتتال الذي أفضى إلى الانقسام الفلسطيني؛ فقد كان هناك حصار وشروط رباعية، ولكن لماذا لم يتم تحدي تلك الشروط من البترودولار؟ وما هذه الشجاعة والتحدي الظاهري لأمريكا وأوروبا والتلويح بتغطية النقص في المساعدات المقدمة إلى مصر؟ لماذا لم نر مثلها في حالتنا، مع العلم أن وقف التدهور الداخلي عندنا ما كان يحتاج إلى خمس قيمة ما يقدم إلى الحكم الجديد في مصر؟!

(3)
في «عاصفة الصحراء» أي العملية العسكرية التي أخرج بها العراق من الكويت بعيد تدميره أوائل سنة 1991م رأينا أن الأمريكان قد نجحوا في ضرب عدة عصافير بحجر واحد؛ فقد كان العرب يمتلكون الكثير من الأموال المكدسة في البنوك والسندات التي تـقدر بمئات المليارات، وذلك بـفعل سنوات من الطفرة النفطية، وللعرب جيش قوي هو الجيش العراقي، فما جرى هو تدمير الجيش العراقي باستخدام الأموال العربية المكدسة، ورأينا أن خزائن دول الخليج بعدها قد عانت من أزمات مختلفة، ثم اقتيد العرب إلى مدريد مذعنين مسلمين بأن (إسرائيل) حقيقة قائمة، مع وجود حالة كراهية شديدة بين شعوب العرب وقبائلهم.

فهل سيتكرر السيناريو بعد 22 سنة بطريقة مختلفة؟أي هل سيكون البترودولار سببا في دخول الجيش المصري، وربما هو الجيش العربي الوحيد الذي لا يزال له قوة بشرية وتسليحية، في نزاع داخلي قد يتطور وتتدخل فيه أطراف أخرى حتى يستنزف، فيخسر العرب مالهم وجيشهم من جديد؟

(4)
لا نحتاج إلى ذكاء كبير لندرك أن البترودولار خاضع إلى حد كبير إلى الإرادة الأمريكية في أوجه استخدامه، لا سيما فيما يتعلق بتقديم الدعم لدول أخرى، وعليه فإن التهديدات الحالية لا تخرج عن كونها مناورات إعلامية، فليس بالإمكان دفع دولار واحد بعيدا عن قبول الأمريكان، أو عدم اعتراضهم على الأقل.

ويبدو أن الأمر متعلق بالأزمة المالية التي تمر بها أمريكا وأوربا ورغبتهما في تمويل الانقلاب في مصر، ولكن بأموال العرب، لتحقيق أهداف استراتيجية، منها ضرب الجميع بالجميع، ليخرجوا هم و(إسرائيل) سالمين؛ فهم من جهة يسمحون بتدفق الأموال التي لهم سلطة عليها إلى طرف الحكم غير المستقر في مصر، ومن جهة أخرى يظهرون أنهم مع الحرية وحقوق الإنسان، عبر الإعلام والتصريحات المدروسة بعناية، وبهذا يؤججون الاستقطاب في الداخل المصري، حيث ثمة إعلام يصوّر الإخوان على أنهم عملاء للغرب متكئا على هذه المواقف الإعلامية، وطرف آخر هو جزء أصيل من الشعب المصري يشعر ويعلن أنه يقتل بدعم البترودولار...كما أن الخواجات بمكرهم المعروف يوفرون على أنـفسهم أموالا قد تضيع عليهم في ظل وضع متحرك، ونظام جاء على ظهر دبابة، فهذه لعبة قمار، يلعبونها بالبترودولار...وعمار يا مصر!

ملفات أخرى متعلفة