​أفرج الاحتلال عنه في الفاتح من أغسطس الجاري

قريبًا.. "طارق" و"ولاء" في بيت واحد بعد 10 سنوات من "العازل الزجاجي"

غزة/ يحيى اليعقوبي:

لا يتوقف الشاب طارق حلس عن استقبال حشود المهنئين بخلاصه من سجون الاحتلال الإسرائيلي، في الأول من آب/ أغسطس الحالي، وفي الفترة المقبلة يستعد لاستقبالهم من جديد, لكن على أنغام إتمام مراسم زفافه، التي بقيت حلمًا مؤجلًا لقرابة 10 أعوام، انتظرته خلالها خطيبته "ولاء" بشوق كامن تعد الأيام عدّا.

كان حلس (33 عامًا)، وقبل أيام قليلة من اعتقاله من جيش الاحتلال الإسرائيلي، في الثاني من آب/ أغسطس عام 2008م، قد ارتبط بشريكة حياته الفتاة ولاء الدردساوي (24 عامًا) قبل أن تنغص حادثة الاعتقال عليها فرحتها بالاقتران بـ"طارق" الذي تصفه بأنه "حسن السمعة والأخلاق".

أثناء زيارة صحيفة فلسطين لمنزل "طارق" في حي الشجاعية شرق مدينة غزة، كانت والدته وخطيبته ترتديان ثيابًا تراثية، وقد بدا جميع من في المنزل تكسو وجوههم فرحة عارمة، تشهد عليها جدران المنزل التي خّطّت عليها عبارات التهنئة للأسير المحرر.

أربعون يومًا ولقاءان

في شهر يونيو/ حزيران 2008م، فاتح "طارق" والده برغبته في الزواج من ابنة جيرانهم "ولاء" وكانت في حينه تبلغ من العمر 14 عامًا. والده قابل ذلك بسرور وبارك حسن اختياره، يتحدث طارق لـ"فلسطين".

ويضيف: "كان موضوع الموافقة على الزواج قرارًا مهما، انتظرته ببالغ الصبر فكنت أتمنى القبول، خاصة أن سبب استعجالي في الزواج هو الاختيار نفسه.. ولاء".

"ولاء" تقول لـ"فلسطين": "وافقت على الخطبة رغم صغر سني، لأن والدي كان يحبه وكان حسن السمعة والأخلاق".

لا تنسى أول هدية أحضرها لها خطيبها: هاتف محمول وباقة ورد جوري مختلفة الألوان قطفها من بستان منزلهم، ولا تزال تحتفظ بها إلى الآن.

بعد إتمام مراسم الخطبة، طرح "طارق" سؤالا تلقائيا وعلى غير العادة على خطيبته "لو سجنت حتستنيني؟"، فما كان منها إلا أن ردت من أعماق قلبها ورغم فجاءة السؤال: "بستناك العمر كله".

مرت أربعون يومًا على مراسم الخطبة عمل خلالها "العروسان" على تجهيز مراسم الزفاف. لكن اللحظات الجميلة تبددت سريعًا وحطمت أحلام الأهل والأقارب، حيث اعتقل "طارق" من قبل جيش الاحتلال الإسرائيلي في الثاني من آب/ أغسطس عام 2008م، وتحول الفرح الموعود إلى حزن وفراق وانتظار.

بعد يومين من الاعتقال، وصل النبأ إلى "ولاء" التي كانت لم تتعاف بعد من ألم استشهاد خالها. أتاها والدها الأسير المحرر عماد الدردساوي يواسي قلبها قائلًا لها "ارفعي رأسك، طارق أسير يعني بطل بدك تكوني فخورة فيه".

وتقول "ولاء" إن كلمات والدها أعطتها شجاعة وأملا وتفاؤلا، فهو الذي عاش تجربة الأسر من قبل. وتعترف "لم اعتبر أن عمري سيضيع في الانتظار، وأنني سأكبر وأكمل دراستي"، لكنها ترى أن هذا أفضل من الزواج المبكر، رغم أنها لا تخفي من أنها كانت تخشى أن تنتظر خطيبها "العمر كله".

تجربة الاعتقال الأولى "لطارق" كانت في سجن "عسقلان" خضع خلالها لتحقيقات مكثفة لمدة 35 يومًا. يغوص في شريط الذكريات قائلًا: "كانت أياما صعبة، استخدموا معي فيها أسلوب التعذيب النفسي، بعد أن قدمت نيابة الاحتلال لائحة اتهام ضدي مجملها تتعلق بمقاومة الاحتلال وإطلاق قذائف صاروخية".

ويؤكد أن الذي "عقد الموقف هو وجود اعترافات من شخص ضدي على ذات التهم".

أيقن "طارق" بعد تلك اللائحة أنه سيمكث عدة سنوات في الأسر، "حاولت نفي التهم لكن الظروف كانت أصعب" يقول.

عام وأخبار منقطعة

مر عام على الاعتقال والأخبار والزيارات عن "طارق" لخطيبته "ولاء" كلها منقطعة إلّا من رسالة تردها كل أربعة أشهر وقلبها الذي تركته معه في القضبان ينقل لها أحاسيسه هناك، حيث لا يُسمح حتى لأشعة الشمس من المرور عبر نوافذ السجن. أما هي فكانت تقف على شرفة الأمل تراجع صورته، تحاول تجميع تفاصيل وجه لشخص لم تره سوى مرتين بعد الخطوبة.

"توقعي بأن يأتي لك اتصال من طارق بأي وقت، يجب أن تكوني سعيدة ولا تبكي حتى ترفعي من معنوياته".. حاول والد "ولاء" بتلك الكلمات تهيئة ابنته، وبالفعل جاءها أول اتصال من خطيبها بعد عامه الأول في الأسر.

ومن أعماق ذاكرتها تستعيد هذا الموقف الذي ما زالت تحتفظ بكل تفاصيله: "عندما اتصل طارق بي، استغرقت أول مكالمة ربع ساعة، بمجرد أن سمعتُ صوته خفق قلبي من الفرحة، لكنني مررت بلحظة ضعف وكنت سأبكي لولا أن تذكرت كلمات أبي".

"بستناك العمر كله" قالتها ولاء بعد دقائق من ذلك الاتصال.

وعن ذلك يقول الأسير المحرر: "ولاء أخرجتني من أجواء صعبة عشتها في الأسر، وجعلتني أشعر بالتفاؤل والأمل".

طوال فترة الأسر كان "طارق" يرى ضحكات "زوجته المنتظرة" في نبرة صوتها، ولا يسمع صوت دموعها التي كانت تخفيها عنه، لكن ما عقد الموقف هنا هي تعامل المحكمة الإسرائيلية مع القضية، استمرت خمس سنوات دون إصدار حكم، بل تارة تخبر فريق الدفاع عن "طارق" بأن الحكم سيتراوح بين "15-21 عاما"، لكنها أصدرت حكمها في النهاية بالسجن عشر سنوات وكان الحكم في العام الخامس من حادثة الاعتقال.

ماذا عن الزيارات؟

يجيب "طارق" لـ"فلسطين": "كنا نسمع عن أهمية الزيارة من الآخرين ولا نعرف قيمتها الحقيقية وتأثيرها على أرض الواقع إلا عندما عشنا تجربة الأسر والزيارة فوصفها صعب".

استمرت سلطات سجون الاحتلال بحرمان أسرى قطاع غزة من زيارات عائلاتهم منذ عام 2007م، وحتى إضراب "الكرامة" الذي خاضه الأسرى عام 2012م وأضربوا فيه عن الطعام لمدة 29 يومًا، وكان أحد مطالبهم الأساسية السماح لهم بالتعليم الجامعي، وزيارة الأهل وهذا ما تحقق بالفعل.

وقتذاك أصبح عمر ولاء 19 عاما بعد صدور قرار السماح بزيارة أهالي الأسرى، "كنت أشعر بالخوف من الزيارة ومترددة لأني ذاهبة عند اليهود".

وفي غمرة التفكير والتردد اتصل بها خطيبها وطلب منها أن تأتي لزيارته في محبسه، وهو بالفعل ما استجابت له سريعًا.

وعن مشوار اللقاء الأول بعد الأسر خرجت "ولاء" مع الحافلات بعد تجاوز "إجراءات التفتيش والذل" ووصلت إلى السجن متعبة من مسافة الطريق، كما تقول.

وتضيف: "شعرت بمجرد رؤية طارق في المرة الأولى بأنني في عالم آخر. نسيت المسافة الطويلة والتعب والإرهاق".

وتلفت إلى أن عيونها كانت تبرق بالدموع, لم تتخيل هذه اللحظة التي تأخرت لخمس سنوات أن تأتي وهي تجتهد لئلا يرى على وجهها أية دموع استنادًا إلى وصية والدها من قبل: "إياك أن تبكي".

بدأ الخطيبان بالحديث لأول مرة، يشاهدان بعضهما لكن العازل الزجاجي يفرقهما، بدأت "ولاء" خجولة تخطف النظرات لتطبع الصورة الجديدة لوجه خطيبها في مخيلتها، وبعدها استمرت الزيارات كل شهرين تهون عليهما مرارة الفراق.

تقول "ولاء" وهي ترسم لوحة من السعادة على وجهها: "أجمل شيء في الزيارة رغم التعب والمشقة هي الدقائق الأولى وأصعب شيء عند انتهاء مدة الدقائق الستين المسموحة، حيث يغلق السجان المكالمة. كانت بالنسبة لي مثل انتزاع الروح".

الزيارة الأخيرة

كيف استطعتم الاتصال الدائم طيلة فترة السنوات العشر؟ لا يخفي الأسير المحرر قائلا: "لم نترك أي وسيلة اتصال، إلا وحاولنا استخدامها رغم الصعوبات الكبيرة، وكذلك مساعدة الأهل ودعمهم لنا فكانت والدتي بمثابة أم حقيقية لولاء".

المحطة الأصعب في حياة الأسير المحرر كانت وفاة والده الذي كان سندًا له وهو في الأسر، وما زاد صعوبة الموقف حدوث تاريخ الوفاة في يوم تاريخ اعتقاله 2 آب/ أغسطس عام 2012م، ليبقى الجرح يجتمع ويتجدد كلما تذكر هذه المناسبة التي لن ينساها.

وبأسى يقول إن الاحتلال حرمه شخصيًا من زفافه إلى خطيبته، وحرم والده من شعور الفرحة بحفل زفاف نجله البكر.

ويؤكد أن الشيء الذي يفضل عدم تذكره تلك الإضرابات عن الطعام التي خاضها الأسرى في السجون، مشيرًا إلى أنه شارك في ثلاثة منها وهي إضراب الكرامة عام 2012م، وإضراب آخر لخمسة أيام احتجاجا على قمع أقسام الأسرى عام 2015م، ثم إضراب الحرية والكرامة عام 2017م واستمر 42 يوما.

درس "طارق" "التاريخ" في سجن ريمون وحصل على شهادة البكالوريوس من جامعة الأقصى عام 2016م، ومرت الأيام والسنوات حتى كان و"ولاء" على موعد مع آخر زيارة قبل الإفراج عنه بشهرين.

لم تكن الزيارة الأخيرة عادية بالنسبة للفتاة "ولاء"، إذ لن ترى بعد ذلك السماعات والعازل الزجاجي يقف حاجزا بينها وبين خطيبها.

"أنا راجع" كانت لهذه الكلمة وقع كبير في قلبها وبدأ الأسير يحدثها عن تخطيطه بعد الحرية فقال لها: "سنرى بعضنا كل يوم حتى نتزوج . وسنفطر مع بعضنا، ونسهر حتى المساء ونعوّض ما فاتنا من أيام..".