قتلة متجولون!

أحمد أبو زهري
السبت ٢١ ٠٩ / ٢٠١٩

طلقات نارية خرجت من بنادق جنود الاحتلال الإسرائيلي لتغتال نايفة محمد كعابنة، قرب حاجز قلنديا شمال القدس المحتلة، في مشهد يتزامن فيه صراخ فلسطينية بريئة مع صياح جنود الاحتلال.. في هذه المرة كما المرات السابقة لا تستطيع حكومة الاحتلال أن تخفي الحقائق عن العالم، مهما حاولت أن تصدر رواية تتنافى مع الحقيقة في ميدان الحدث.

إنه صراخ الضحية التي أصابتها الطلقات وبدأت دماؤها تغطي مساحة كافية للإعلام، وللرأي العام وكل أحرار العالم حتى يطّلعوا على حجم معاناة الفلسطيني المقهور الذي يعاني من جرائم (إسرائيل) وقواتها الإرهابية.

أما صياح الجنود فاندفع مع رائحة الموت التي ينشرونها على الحواجز العسكرية الإسرائيلية، المعدة خصيصا لإذلال الفلسطينيين، والتضييق عليهم، بل وتصفية الأبرياء، وقد ترك الأمر لمزاج الجنود فيمكنهم في أي وقت قتل أي شخص، وتحت أتفه الأسباب.

إنهم معبؤون بما يكفى، ومؤهلون تماما كقتلة مأجورين لتنفيذ سياسات الاحتلال في نشر الإرهاب بين الفلسطينيين لخلق حالة ردع تدفع الفلسطيني للاستسلام، والتراجع عن المطالبة بحقوقه التي سلبها الاحتلال قهرا، وبالتالي يتكرر المشهد بشكل صادم ومؤلم، ما دام هؤلاء القتلة يتجولون في المدن والقرى الفلسطينية وينصبون كمائن الموت الثابتة والمتحركة.

فمشاهد القتل لا تتم بمعزل عن توجيهات المستويات السياسية والأمنية الإسرائيلية، التي توفر غطاء كافيا للجنود لتنفيذ مزيد من الجرائم، لقناعتها التامة أن الفلسطيني لا يمكن أن يرضخ لهذا الواقع البغيض، أو أن يتعايش من الاحتلال، أو يقايض على حقوقه، وأنه سيبقى يناضل لإنهاء الاحتلال مهما كان الثمن.

نعم اختارت حكومة الاحتلال اللجوء للتصفية الجسدية الميدانية بعد الفشل الذريع في خلق حالة ردع من خلال الاختطاف والاعتقال، والإبعاد، والتهجير، والقمع والإذلال، وهدم المنازل، والقصف، والحصار والتضييق، وهي ليست أداة جديدة في السجل الأسود الاحتلال.

فهي امتداد لسلسلة طويلة من الإعدامات والاغتيالات التي طالت رموز النضال الفلسطيني وأبطاله، فلم يكن الفلسطيني يوما في مأمن من غدر الاحتلال، وقد امتدت الأيدي الإسرائيلية الإجرامية لتصل إلى البيوت وتغتال الأب أمام أطفاله، والفتى أمام والديه وتتركه مضرجا بدمائه حتى يفارق الحياة دون السماح بإسعافه.

الأمر لم يقف عند هذا الحد، فقد تسلل هؤلاء القتلة المتجولون في بلدان العالم يحملون جوازات مزورة لتنفيذ جرائم يسقط ضحيتها النشطاء الفلسطينيون، في انتهاك واضح لسيادة الدول واعتداء صريح على مبادئ القانون الدولي، وقواعد القانون الدولي الإنساني، وفى تجاوز خطير لمبادئ حقوق الإنسان وكل الإعلانات العالمية التي جرمت المساس بحياة المدنيين الأبرياء.

إن هذا الواقع هو نتيجة واضحة لحالة التردي والضعف التي أصابت النظام العربي العاجز عن إسناد وحماية الفلسطينيين، وتأتيكانعكاس حقيقي لقصور دور المنظمات الدولية عن الاضطلاع بدورها الأخلاقي والإنساني، ويظهر الفشل الذريع في سياسات السلطة الفلسطينية تجاه الاحتلال، في ظل تراجع أي تأثير للخطاب والدور السياسي والدبلوماسي الفلسطيني، فضلا عن خطواتها الحقوقية التي لاتزال رهينة المناورة السياسية.

ولكن ما الذى يمكن فعله؟! وكيف يمكن مواجهة هؤلاء القتلة؟!

ست خطوات يمكنها أن تلجم هؤلاء وتردع الاحتلال وتجبره على التراجع وإعادة حساباته، وتغيير سياساته على الأرض:

أولا: إجراء تغييرات جوهرية في لغة وخطاب السلطة الفلسطينية، بشكل يمثل الخروج من عباءة الخوف والتردد، نحو إدانة الاحتلال بشكل واضح وتحميله المسؤولية والمطالبة بتحقيق دولي، ودعوة الجماهير بشكل صريح للاشتباك مع الاحتلال، وعدم الرضوخ لمبررات الاحتلال، والتراجع عن لغة الاستسلام، والإشادة بدور المقاومة بكل أشكالها بما فيها العمل المسلح.

ثانيا: وقف ما يسمى ( التنسيق الأمني) المجرم وطنيا فلا يوجد أي مبرر لإقامة علاقات تعاون مع كيان محتل حتى لو كان بذريعة السعي لتسهيل الحياة اليومية للمواطنين، وهل يعقل أن تقام علاقات أمنية وعمل مشترك يكون إحدى ثمارها تجريم وملاحقة المقاومة؟ إن عار الارتباط الخياني بالاحتلال سيبقى يلاحق أصحابه لأنه وبال على شعبنا، وطعنة في ظهره.

ثالثا: تسليط الضوء على سياسة الاغتيالات والتصفية الميدانية التي يمارسها الجنود الإسرائيليون، من خلال الاعلام واعداد تقارير مترجمة تنشر في فضائيات عالمية، واعادة بث مشاهد القتل ما أمكن في كل الوسائل الاعلامية، وفضح الرواية الاسرائيلية، ونشر صور الجنود القتلة، كمطلوبين للعدالة.

رابعا: تفعيل المقاومة في الضفة الغربية والتركيز على استهداف الحواجز العسكرية الاسرائيلية التي تقتل الابرياء، ليعلموا أنهم سيدفعون الثمن مضاعفا، وأنهم سيبقون في دائرة الاستهداف، وخصوصا أن يكون في دائرة الاستهداف من نشرت صورهم وهم يرقصون على دماء الضحايا الأبرياء الفلسطينيين.

خامسا: تفعيل الدور الحقوقي على المستوى الدولي، من خلال توثيق هذه الجرائم ورفع دعوات تستهدف القادة السياسيين والأمنيين الإسرائيليين إضافة إلى ضباط الجيش الميدانيين، ورفع دعاوى أمام المحاكم الوطنية الاوروبية التي يسمح نظامها الداخلي بالنظر في مثل هذه القضايا.

سادسا: القيام بدور دبلوماسي جاد ومسؤول نحو كشف الحقائق للعالم، وإطلاع المجتمع الدولي على حجم وجسامة الجرائم الاسرائيلية، واستغلال كل منبر في العالم لكشف الحقائق والسعي لإدانة الاحتلال وممارسة ضغوط اضافية عليه وتشكيل رأي عام عالمي في ملف الاغتيالات والتصفية الجسدية.